ما الفرق بين المسيح والأنبياء ؟
ومن هو الأعظم ؟
قبل الإجابة علي هذا السؤال علينا أنْ نسأل الأسئلة التالية:
1 ـ من هو المسيح ؟ هل هو إنسان أم أعظم من مُجَرَّد إنسان؟
2 ـ هل هو نبيّ، أم هو أعظم من مُجَرَّد نبيّ؟
3 - وهل تميَّز عن الأنبياء؟ وهل ميَّز هو نفسه عنهم؟
4 ـ وما هو الفرق بينه وبين سائر الأنبياء؟
5 ـ ماذا كانت نظرة رجال الدين والفلاسفة والمؤرِّخين والنُقَّاد له؟
كتب الكثيرون من الكتَّاب الغربيِّين من نُقَّاد وفلاسفة ومؤرِّخين وعلماء اجتماع وغيرهم من غير المتبحِّرِين في العلوم اللاهوتيَّة
- 8 -
بعض الكتابات التي احتوت علي آراء خاصَّة بهم من جهة شخص الربّ يسوع المسيح والتي نظروا فيها للمسيح كأسمي وأعظم شخصيَّة وُجِدَت علي الإطلاق. كما تكلَّم بعض هؤلاء عن المسيح كالأقل تأثيرًا ونفوذًا من الناحية الدنيويَّة الماديَّة والسياسيَّة والحربيَّة لأنَّه لم يكن قائدًا سياسيًا ولا عسكريًا مع عدم نفيهم لسِمُوِّه وعظمته الروحيَّة كأعظم شخصيَّة ذات تأثير روحيّ علي الإطلاق. وقد تُرْجِمَت بعض هذه الكتب التي من النوع الأخير إلي العربيَّة وهلَّل لها البعض لأنَّها وضعت غير المسيح كالأكثر تأثيرًا من الناحية الماديَّة الدنيويًّة، خاصَّةً السياسيَّة والحربيَّة، بالرغمِ من عدم نفيها لعظمة وسِمُوّ المسيح كالأعظم والأسمي أخلاقيًا وروحيًا!! ومن هذه الكتابات؛ كتاب " أعظم مائة شخصيَّة مؤثِّرة في التاريخ " الذي كتبه الأمريكيّ، غير المتخصِّص في اللاهوتيَّات، مايكل هارت، والذي كتب قائمة تضمّ مائة شخصيَّة كان لها، من وجهة نظره، تأثيرها الدنيويّ والماديّ في التاريخ، بصرف النظر عن قيمتها الروحيَّة والأخلاقيَّة، سواء كانت شخصيَّات صالحة أو شرّيرة، المهم هو تأثيرها علي أكبر عدد ممكن من الناس. وقد وضع فيها الربّ يسوع المسيح رقم ثلاثة في الترتيب.
وبالرغم من أنَّ هذا الكتاب لم يلتفت إليه أحدٌ سواء في أمريكا أو في
- 9 -
الغرب ولم يهتمْ به أحد، فقد هلَّل له البعض هنا وتُرْجِمَت أجزاء منه إلي العربيَّة أكثر من مرَّة بل واستخرج منه أحد الكتاب كتاباً آخر !! نقَّحه علي هواه. ولكن إنصافاً للحقيقة نقول أنَّ مايكل هارت نفسه يُؤَكِّد علي عكس ما يراه هؤلاء:
(1) فهو يُؤكِّد علي أنَّه لا يقدِّم لائحة بمن هو الأعظم والأسمي روحياً وأخلاقياً، بل من هو الأكثر نفوذاً مهما كانت أفعاله، سواء كانت صالحة أم شرِّيرة !! فيقول في المقدمة " يجب أنْ أؤكِّد بقوَّةٍ أنَّ هذه اللائحة هي قائمة الشخصيَّات الأكثر نفوذًا في التاريخ ، وليست لائحة أكثرهم عظمة 000 مثلاً يجد المرء مكانًا في لائحتي لرجلٍ كبيرِ النفوذ عديم الاستقامة والإحساس نظير ستالين ولكنك لا تجد مكانًا للقدِّيسة الأم كابريني. إنَّ هذا الكتاب يدور فقط حول السؤال: ما هي المائة شخصيَّة التي كان لها أكبر الأثر علي التاريخ وسير العالم ؟ 000 إن هذه اللائحة من الشخصيَّات الفذَّة – سواء كانت نبيلة أو طالحة يلحقها اللوم ، أكانت شهيرة أم غير معروفة ، برَّاقة أم متواضعة تبقي لا محالة مشوّقة " !!
وهنا يُؤكِّد هارت أنَّ ترتيبه لا يعتني لا بالعظمة ولا بسموّ الأخلاق! بل يعتني فقط بالتأثير علي أكبر عدد ممكن من الناس في أزمنة
- 10 -
وأماكن مختلفة سواء كان تأثيرها سلبيًا أو إيجابيًا، خيراً أم شراً !!
(2) ويُؤكِّد هارت علي أنَّ وضعه للربِّ يسوع المسيح كرقم ثلاثة في قائمته لا يعني أنَّ الأوَّل أو الثاني أعظم منه روحيًا أو أخلاقيًا، بل يقول " لا الصيت ولا الموهبة (العبقريَّة) ولا سموّ الأخلاق ترادف النفوذ. وهكذا لم يوضع في هذه القائمة أي من بنيامين فرانكلين ومارتن لوثر كنج وبيب روث وحتى ليوناردو دافنشي 000 ومن جهة أخري ، لا يكون النفوذ دائمًا إيجابيًا أو بنيَّة سليمة أنَّ عبقريًا شريرًا مثل هتلر وارد في هذه اللائحة " !! ولذا فقد قال صراحة في أنَّه لم يفكر أنَّ الأوَّل " كان رجلاً أعظم من يسوع ". ولم يقل أحد أنَّه وُجِدَ علي الأرض مَنْ هو أعظم مِنْ الربِّ يسوع المسيح .
وما جعل هذا الرجل، مايكل هارت، لا يضع الربَّ يسوع كالأوَّل في هذه القائمة باعتباره الأسمي والأعظم روحيًا وأخلاقيًا هو عدم فهمه لحقيقة المسيحيَّة بالرغم من أنَّه مسيحيّ كاثوليكيّ ! فهو ليس من رجال الدين ولا من علماء اللاهوت ولا أعتقد أنَّه تمكَّن من قراءة المسيحيَّة أو غيرها قراءة تجعل لأرائه قيمة في هذا المجال، فهو متخصِّص في علوم الرياضيَّات والفُلك والشطرنج ومحامٍ ولكن ليست لديه دراية تُذكر لا بالكتاب المقدَّس ولا بالكتب الدينيَّة الأخري سواء
- 11 -
كانت مسيحيَّة أو غير مسيحيَّة. ومن هنا جاء عدم فهمه لحقيقةِ المسيحيَّة إذ تصوَّر أنَّ عدم قيام المسيح بدورٍ سياسيّ أو عسكريّ أو كتابته لكتابٍ يُقَلِّل من دوره في تأسيس المسيحيَّة ونسب الفضل الأكبر في تأسيس المسيحيَّة للقدِّيس بولس!! دون أنْ يدري أنَّ كلّ ما كُتِبَ في العهد الجديد هو عن شخص المسيح وحقيقة ربوبيَّته للكون وفدائه الأبديّ الذي قدَّمه للبشريَّة، كقول الكتاب المقدس " وَآيَاتٍ أُخَرَ كَثِيرَةً صَنَعَ يَسُوعُ قُدَّامَ تلاَمِيذِهِ لَمْ تُكْتَبْ فِي هَذَا الْكِتَابِ. وَأَمَّا هَذِهِ فَقَدْ كُتِبَتْ لِتُؤْمِنُوا أَنَّ يَسُوعَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ وَلِكَيْ تَكُونَ لَكُمْ إِذَا آمَنْتُمْ حَيَاةٌ بِاسْمِهِ." (يو20/30-31). ما أنَّ المسيح لم يأتِ ليكون له نفوذ ماديّ بل كان هو ربّ الكلّ ومملكته سمائيَّة روحيَّة فهو ملك الملوك وربّ الأرباب كقوله " مَمْلَكَتِي لَيْسَتْ مِنْ هَذَا الْعَالَمِ. " (يو18/36). وأنَّ بولس الرسول لم يكنْ إلاَّ رسولاً للمسيح يعمل ما يُوَجِّهه به ويُرشده الربُّ يسوع المسيح " بُولُسُ، رَسُولٌ لاَ مِنَ النَّاسِ وَلاَ بِإِنْسَانٍ، بَلْ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ" (غل1/1) .
ولذا فنحن نرفضُ أمثال هذه الكتابات التي لم تفهم طبيعة شخص المسيح ولا طبيعة رسالته الروحيَّة والأخلاقيَّة والفدائيَّة السامية وتضعه في قائمة واحدة مع شخصيَّات شرِّيرة ودمويَّة من أمثال ستالين الدمويّ
- 12 -
الرهيب الذي غدر بكلِّ أصحابه قبل أعدائه وهتلر النازيّ الذي دمَّر بلاده وكان السبب في قتل ملايين الناس وجنكيز خان الدمويّ الذي كان يقتل بلا شفقة أو رحمة!! فما يقوله هذا الكاتب يُخالف تمامًا كلّ ما كُتب عن المسيح سواء من المؤمنين بلاهوته أو غير المؤمنين به. بل ويُخالف ما رآه الفلاسفة العقلانيُّون والماديُّون وغير المؤمنين بالوحي أو وجود اللَّه والنُقاد في شخص المسيح والذين نظروا إليه نظرات خاصَّة تراوحت بين قولهم أنَّه الكائن أو الإنسان السوبر الذي لم يُوجد له مثيل عبر التاريخ، سواء في أسلوبه وأخلاقه أو في تعاليمه التي فاقت ما يُمكن أنْ يُنادِي أو يُعلِّم به بشر !! وبين قولهم أنَّ شخصيَّة بهذا الكيان والأسلوب لا يُمكن أنْ تكون قد وُجدت في التاريخ وإنما هو أسطورة من الأساطير !!(1)
وفيما يلي بعض ما قيل عن المسيح من شخصيَّات وُصف بعضها بأنَّها عظيمة، وشخصيَّات أخري لها مكانتها في مجالات الأدب والفلسفة والحضارة والتاريخ :
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) يقول Bruce M. Metzger المتخصص في النقد النصي للكتاب المقدس "لا يوجد اليوم عالم مقتدر ينكر تاريخية يسوع المسيح".
- 13 -
قول نابليون
بونابرت إمبراطور فرنسا بعد تقاعده " أنت تتحدث عن
قيصر والاسكندر وغزواتهم وعن الحماس الذي أشعلوه في قلوب جنودهم، ولكن هل يمكن
أنْ تفهم أنَّ رجل ميت يقوم بغزوات بجيش أمين ومُكرَّس كليَّةً لذكراه؟ لقد نسيتني
جيوشي حتي وأنا علي قيد الحياة مثلما نسي الجيش القرطجني هانيبال، هذه هي قوتنا " .
" أنا أعرف البشر وأقول لكم، أنَّ يسوع المسيح ليس مُجَرَّد إنسان، فلا يُوجَد بينه وبين أيّ شخصٍ بشريّ آخر في العالم لفظ term مناسب للمقارنة. فقد أسَّسنا، أنا والإسكندر وقيصر وشارلمان، إمبراطوريَّات، ولكن علي أيّ أساس اِستقرَّ ما خلقته عبقريَّتنا؟ علي القوَّة. ولكن يسوع المسيح أسَّس إمبراطوريَّته علي الحبِّ؛ وحتي هذه الساعة يموت الملايين لأجل اسمه ".
" لقد بحثت في التاريخ لأجد مثيل ليسوع المسيح أو أيّ شيء يمكن أنْ يقترب من يسوع المسيح أو الإنجيل دون جدوي، فلا التاريخ ولا الإنسانيَّة ولا الدهور ولا الطبيعة قدَّمت لي أيّ شيء يمكن أنْ أقارنه أو أشرحه. هنا (في المسيح) كلّ شيء غير عاديّ " .
وقال ول ديورانت
المؤرِّخ والفيلسوف المعاصر كاتب كتاب فلسفة الحضارة وسلسلة تاريخ الحضارة عندما
سئُل:
- 14 -
" ماذا كانت قمَّة التاريخ؟ " فأجاب " السنوات الثلاث التي مشي فيها يسوع الناصري على الأرض ".
وقال كارنيجي
سيمبسون " يسوع
ليس واحدًا من جماعات العالم العظيمة. تحدَّث عن الإسكندر العظيم وتشارلز العظيم
ونابليون العظيم إذا أردت 000 ولكن يسوع ليس من هؤلاء - فهو ليس العظيم بل هو وحده
الأعظم ".
وقال الكاتب
البريطاني هـ . جـ . ويلز (1866 - 1946م) " في حكم طيباريوس
قيصر نهض من اليهوديَّة مُعَلِّم عظيم ليُحَرِّر الإدراك الجامد للبرِّ ووحدانيَّة
اللَّه غير المتغيِّرة واحتياج الإنسان الأخلاقيّ للَّه 000 وكان هذا يسوع الناصريّ
000 ولا عجب فإنَّ هذا الجليليّ حتي هذا اليوم أكبر بكثير من قلوبنا الصغيرة " .
وقال أيضًا عندما سُئل " من هو الشخص الذي ترك أعظم انطباع دائم علي التاريخ ؟ " : " ذلك يحكم علي عظمة الشخص بالمقياس التاريخيّ ": " وبهذا المقياس ، يقف يسوع الأوَّل ". ثم يقول " أنا مؤرِّخ، ولست مؤمنًا، ولكن يجب أنْ أعترف كمؤرِّخٍ أنَّ هذا المُعلم الذي من الناصرة والذي لا يملك شيء penniless هو مركز التاريخ الذي لا ينسخ. يسوع المسيح هو الشخص الأعظم سيادة في كل التاريخ ".
- 15 -
" كان يسوع المسيح هو الشخص الأعظم تفرّدًا في التاريخ ولا يمكن لإنسان أنْ يكتب تاريخ السلالة البشريَّة دون أنْ يُعطي المكانة العظمي للمُعلِّم الناصريّ الذي لم يكنْ يملك شيئًا " .
وقال الفيلسوف
الفرنسي جان جاك روسو " إنَّ يسوع المسيح
بطل الإنجيل هو فوق البشر. وإذا كانت حياة وموت سقراط هي حياة وموت فيلسوف
حكيم، فحياة يسوع المسيح وموته هي حياة إله وموته " !!
وقال المؤرِّخ
والعالم اللغويّ الفرنسيّ رينان، أحد
زعماء المدرسة النقديَّة، عن المسيح " كان يسوع أعظم
عبقريَّة دينيَّة عاش أبدًا. فجماله أبديّ ، وحكمه لن ينتهي أبدًا . يسوع فريد في
كلِّ شيء ولا يمكن أنْ يُقارن به شيء
" .
" كل التاريخ لا يمكن أنْ يُقارن بدون يسوع " !!
" مهما كانت مفاجآت المستقبل فلن يتفوَّق أحدٌ علي يسوع " .
" حقا بدا يسوع هنا ابن اللَّه، لأنَّه نطق لأوَّلِ مرَّة بالكلمةِ التي يرسخ عليها أساس الدين الخالد. لقد وطَّد أساس العبادة النقيَّة التي
- 16 -
تتسامي فوق الأزمان والأوطان، والتي سوف تتمرَّس بها النفوس الرفيعة إلي منتهي الدهرِ. وقد أصبح دينه منذ ذلك الوقت ـ لا دين البشريَّة فحسب بل الدين علي الإطلاق. وإنْ يكن ثمة كواكب آهلة بأناسٍ ذوي عقول وأخلاق بخلاف الأرض، فلا سبيل لهم أنْ يدينوا بدين يفوق سموًا ذاك الدين الذي أعلنه يسوع المسيح علي بئر يعقوب 000 إنَّ الدين الحقيقيّ يبقي أبدًا من صنع يسوع المسيح وليس للبشر فيما بعد إلاَّ أنْ يشرحوا ما فاه به من مبادئ وتعاليم " .
" سوف يبقي يسوع المسيح مبعث يقظة أخلاقيَّة للبشرِ لا يخبو نورها لأنَّ الفلسفة وحدها لا تكفي البشر، فإنَّهم بحاجة إلي القداسة ".
" ألاَّ إجلس الآن هانئًا في مجدك يا دليلنا الساميّ إلي اللَّه. أمَّا الآن وقد تحرَّرت من قيود الضعف ستشهد من أعلي مقرَّك الإلهيّ نتائج أعمالك اللامتناهية. أنَّ العالم سيبقي مدينًا لك إلي آلاف السنين 000 سوف تبقي حيًا محبوبًا بعد موتك أكثر مما كنت في حياتك علي الأرض. سوف تبقي حجر الزاوية من البشر بحيث يستحيل محو اسمك من العالم دون أنْ يُنزع الكون وينهار. فيا قاهر الموت ألاَّ استلم زمام ملكوتك، حيث سلك منذ الآن علي الطريق الملوكيّ الذي شققته، آلاف من عبادك " !!
- 17 -
هذا السؤال نوجِّهه للربِّ يسوع المسيح شخصيًا ليُجيبنا هو عليه!! وقد أجاب الربُّ يسوع المسيح عليه بسؤالٍ وجَّهَه لرؤساءِ اليهود، يقول الكتاب:" مَاذَا تَظُنُّونَ فِي الْمَسِيحِ؟ ابْنُ مَنْ هُوَ؟» قَالُوا لَهُ: «ابْنُ دَاوُدَ». قَالَ لَهُمْ: «فَكَيْفَ يَدْعُوهُ دَاوُدُ بِالرُّوحِ رَبّاً قَائِلاً: قَالَ الرَّبُّ لِرَبِّي اجْلِسْ عَنْ يَمِينِي حَتَّى أَضَعَ أَعْدَاءَكَ مَوْطِئاً لِقَدَمَيْكَ؟ فَإِنْ كَانَ دَاوُدُ يَدْعُوهُ رَبّاً فَكَيْفَ يَكُونُ ابْنَهُ؟» فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدٌ أَنْ يُجِيبَهُ بِكَلِمَةٍ. وَمِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ لَمْ يَجْسُرْ أَحَدٌ أَنْ يَسْأَلَهُ بَتَّةً." (مت22/42ـ46). فالربِّ يسوع المسيح نفسه يُؤكِّد أنَّه ربّ داود ! ولأنَّه ربّ داود فهو، كما يُعلن هو بنَفْسِهِ، أعظم من جميع الأنبياء، بل وأعظم من كلِّ ما في الكون من كائنات.
فهو ربُّ داود كما أوضح هو نفسه، وربُّ داود هو إله داود كما يقول الكتاب " إِسْمَعْ يَا إِسْرَائِيلُ: الرَّبُّ إِلهُنَا رَبٌّ وَاحِدٌ" (تث6/4). والكتاب يُؤكِّد لنا أنَّ الربّ يسوع هو هذا الإله الواحد " وَرَبٌّ وَاحِدٌ: يَسُوعُ الْمَسِيحُ الَّذِي بِهِ جَمِيعُ الأَشْيَاءِ وَنَحْنُ بِهِ " (1كو 8/6). إنَّه ربّ داود وربّ جميع الأنبياء والبشر " رَبُّ اَلْكُلِّ " (أع10/36) .
- 18 -
إذا كان هو ربُّ الكلِّ فكيف أعطاه الكتاب لقب نبيّ، كما قيل عنه "فَقَالَتِ الْجُمُوعُ: «هَذَا يَسُوعُ النَّبِيُّ الَّذِي مِنْ نَاصِرَةِ الْجَلِيلِ»." (مت21/11).
والإجابة هي أنَّه هو ربُّ الكلِّ ولكنَّه عندما تجسَّد وصار بشرًا مارس مهمَّة النبيّ، لذا لم يكنْ مُجَرَّد نبيّ كسائرِ الأنبياء، إنما هو أعظم من جميع الأنبياء، فهو ربُّ الكلِّ، كما أكَّدَ هو نفسه، أنَّه أعظم من جميع الأنبياء:
(1) أعظم من إبراهيم أبو الآباء والأنبياء: فعندما سأله اليهود قائلين "أَلَعَلَّكَ أَعْظَمُ مِنْ أَبِينَا إِبْرَاهِيمَ الَّذِي مَاتَ؟ " فقال لهم " أَبُوكُمْ إِبْرَاهِيمُ تَهَلَّلَ بِأَنْ يَرَى يَوْمِي فَرَأَى وَفَرِحَ». فَقَالَ لَهُ الْيَهُودُ: «لَيْسَ لَكَ خَمْسُونَ سَنَةً بَعْدُ أَفَرَأَيْتَ إِبْرَاهِيمَ؟» قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: «الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: قَبْلَ أَنْ يَكُونَ إِبْرَاهِيمُ أَنَا كَائِنٌ».فَرَفَعُوا حِجَارَةً لِيَرْجُمُوهُ. أَمَّا يَسُوعُ فَاخْتَفَى وَخَرَجَ مِنَ الْهَيْكَلِ مُجْتَازاً فِي وَسْطِهِمْ وَمَضَى هَكَذَا " (يو8/53ـ59) .
وهنا أثار قوله " قَبْلَ أَنْ يَكُونَ إِبْرَاهِيمُ أَنَا كَائِنٌ " غضب اليهود وجعلهم يحنقون عليه ويقرروا موته رجماً بالحجارة " فَرَفَعُوا حِجَارَةً لِيَرْجُمُوهُ" .
- 19 -
لماذا ؟ لأنَّهم فهموا من عبارته " قَبْلَ أَنْ يَكُونَ إِبْرَاهِيمُ أَنَا كَائِنٌ " ، وتعبير "أَنَا كَائِنٌ " هو التعبير الذي عبَّر به اللَّه عن نفسه وعن اسمه لموسى النبي (خر3/14)، إنَّه كان موجودًا قبل أنْ يُوجد إبراهيم الذي وُجد قبل التجسُّد بحوالي 2000 سنة، أيّ أنَّه يُؤكِّد علي وجوده السابق قبل إبراهيم وهذا يعني أنَّه كان كائنًا في السماء وأنَّه هو الربُّ الذي كلَّم موسى النبيّ(2).
(2) أعظم من يعقوب : قالت له المرأة السامريَّة " أَلَعَلَّكَ أَعْظَمُ مِنْ أَبِينَا يَعْقُوبَ الَّذِي أَعْطَانَا الْبِئْرَ وَشَرِبَ مِنْهَا هُوَ وَبَنُوهُ وَمَوَاشِيهِ؟» أَجَابَ يَسُوعُ: «كُلُّ مَنْ يَشْرَبُ مِنْ هَذَا الْمَاءِ يَعْطَشُ أَيْضاً. وَلَكِنْ مَنْ يَشْرَبُ مِنَ الْمَاءِ الَّذِي أُعْطِيهِ أَنَا فَلَنْ يَعْطَشَ إِلَى الأَبَدِ بَلِ الْمَاءُ الَّذِي أُعْطِيهِ يَصِيرُ فِيهِ يَنْبُوعَ مَاءٍ يَنْبَعُ إِلَى حَيَاةٍ أَبَدِيَّةٍ»." (يو4/12-14). فقد حفر أبونا يعقوب بئرًا ليشرب منها هو وبنوه، وهذا عمل يمكن أنْ يقوم به أيّ بشر، أمَّا الماء الحيّ المؤدِّي للحياةِ الأبديَّة والذي يُعطيه الربُّ يسوع المسيح لا يقدر عليه أحدُ سواه، فهو الحيّ ومُعْطِي الحياة، لذا يقول عن نفسه " إِنِّي أَنَا حَيٌّ فَأَنْتُمْ سَتَحْيَوْنَ." (يو14/19)، فهو الحياة ومعطي الحياة " فِيهِ كَانَتِ الْحَيَاةُ وَالْحَيَاةُ كَانَتْ نُورَ النَّاسِ" (يو1/4) ،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(2) أنظر كتابنا " هل قال المسيح أني أنا ربكم فاعبدوني " .
- 20 -
الحياة، أي الوجود، والحياة الأبديَّة، كما قال له القدِّيس بطرس بالروح " يَا رَبُّ إِلَى مَنْ نَذْهَبُ؟ كلاَمُ الْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ عِنْدَكَ" (يو6/68)، وكما قال هو عن نفسه " أَنَا هُوَ نُورُ الْعَالَمِ. مَنْ يَتْبَعْنِي فلاَ يَمْشِي فِي الظُّلْمَةِ بَلْ يَكُونُ لَهُ نُورُ الْحَيَاةِ " (يو 8/12).
(3) سيد ورب موسي: يقول الكتاب في الرسالة إلي العبرانيّين في المقارنة بين المسيح وموسي " مِنْ ثَمَّ أَيُّهَا الإِخْوَةُ الْقِدِّيسُونَ، شُرَكَاءُ الدَّعْوَةِ السَّمَاوِيَّةِ، لاَحِظُوا رَسُولَ اعْتِرَافِنَا وَرَئِيسَ كَهَنَتِهِ الْمَسِيحَ يَسُوعَ، حَالَ كَوْنِهِ أَمِيناً لِلَّذِي أَقَامَهُ، كَمَا كَانَ مُوسَى أَيْضاً فِي كُلِّ بَيْتِهِ. فَإِنَّ هَذَا قَدْ حُسِبَ أَهْلاً لِمَجْدٍ أَكْثَرَ مِنْ مُوسَى، بِمِقْدَارِ مَا لِبَانِي الْبَيْتِ مِنْ كَرَامَةٍ أَكْثَرَ مِنَ الْبَيْتِ. لأَنَّ كُلَّ بَيْتٍ يَبْنِيهِ إِنْسَانٌ مَا، وَلَكِنَّ بَانِيَ الْكُلِّ هُوَ اللهُ. وَمُوسَى كَانَ أَمِيناً فِي كُلِّ بَيْتِهِ كَخَادِمٍ، شَهَادَةً لِلْعَتِيدِ أَنْ يُتَكَلَّمَ بِهِ. وَأَمَّا الْمَسِيحُ فَكَابْنٍ عَلَى بَيْتِهِ. وَبَيْتُهُ نَحْنُ إِنْ تَمَسَّكْنَا بِثِقَةِ الرَّجَاءِ وَافْتِخَارِهِ ثَابِتَةً إِلَى النِّهَايَةِ." (عب3/1ـ6). إذًا فالفرقِ بين المسيح وموسي النبيّ هو الفرق بين ابن صاحب البيت ووارثه، الذي هو المسيح ابن اللَّه، والخادم الذي يقوم بخدمة صاحب البيت وابنه، والخادم هنا هو موسي النبيّ، وبيت اللَّه هو نحن . ومن ثمَّ فالمسيح أعظم من موسي كقوله " اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ لَيْسَ عَبْدٌ أَعْظَمَ مِنْ سَيِّدِهِ وَلاَ رَسُولٌ أَعْظَمَ مِنْ مُرْسِلِهِ." (يو13/16).
- 21 -
(4) الأعظم من الهيكل ومن جميع البشر: كما وصف الربُّ يسوع المسيح نفسه بأنَّه أعظم من الكلِّ، أعظم من سليمان، إذ قال عن نفسه " هُوَذَا أَعْظَمُ مِنْ سُلَيْمَانَ هَهُنَا." (لو11/31)، وأعظم من يونان " وَهُوَذَا أَعْظَمُ مِنْ يُونَانَ هَهُنَا!" (لو11/32)، أعظم من الهيكل " وَلَكِنْ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ هَهُنَا أَعْظَمَ مِنَ الْهَيْكَلِ! " (مت12/6).
وبالرغم من أنَّه، الربّ يسوع المسيح، وصف يوحنا المعمدان كـ " لَمْ يَقُمْ بَيْنَ الْمَوْلُودِينَ مِنَ النِّسَاءِ أَعْظَمُ مِنْ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانِ" (مت11/11)، فقد قال يوحنا عنه " أَنَا أُعَمِّدُ بِمَاءٍ وَلَكِنْ فِي وَسَطِكُمْ قَائِمٌ الَّذِي لَسْتُمْ تَعْرِفُونَهُ. هُوَ الَّذِي يَأْتِي بَعْدِي الَّذِي صَارَ قُدَّامِي الَّذِي لَسْتُ بِمُسْتَحِقٍّ أَنْ أَحُلَّ سُيُورَ حِذَائِهِ» 000 وَفِي الْغَدِ نَظَرَ يُوحَنَّا يَسُوعَ مُقْبِلاً إِلَيْهِ فَقَالَ: «هُوَذَا حَمَلُ اللَّهِ الَّذِي يَرْفَعُ خَطِيَّةَ الْعَالَمِ. هَذَا هُوَ الَّذِي قُلْتُ عَنْهُ يَأْتِي بَعْدِي رَجُلٌ صَارَ قُدَّامِي لأَنَّهُ كَانَ قَبْلِي 000 وَأَنَا قَدْ رَأَيْتُ وَشَهِدْتُ أَنَّ هَذَا هُوَ ابْنُ اللَّهِ»." (يو 1/26ـ34) .
ويقدِّم لنا القدِّيس بولس بالروح شخص الربّ يسوع المسيح في مقارنة رائعة بينه وبين جميع الكائنات والمخلوقات في السماء وعلي الأرض فيقول بالروح " اَللهُ، بَعْدَ مَا كَلَّمَ الآبَاءَ بِالأَنْبِيَاءِ قَدِيماً، بِأَنْوَاعٍ وَطُرُقٍ كَثِيرَةٍ، كَلَّمَنَا فِي هَذِهِ الأَيَّامِ الأَخِيرَةِ فِي ابْنِهِ - الَّذِي جَعَلَهُ وَارِثاً لِكُلِّ شَيْءٍ، الَّذِي بِهِ
- 22 -
أَيْضاً عَمِلَ الْعَالَمِينَ. الَّذِي، وَهُوَ بَهَاءُ مَجْدِهِ، وَرَسْمُ جَوْهَرِهِ، وَحَامِلٌ كُلَّ الأَشْيَاءِ بِكَلِمَةِ قُدْرَتِهِ، بَعْدَ مَا صَنَعَ بِنَفْسِهِ تَطْهِيراً لِخَطَايَانَا، جَلَسَ فِي يَمِينِ الْعَظَمَةِ فِي الأَعَالِي، " (عب1/1-4) .
وهنا يُؤكِّد لنا أنَّ المسيح يتميَّز عن الأنبياء بسبع مميزات هي :
1. المسيح هو ابن اللَّه الوحيد " اِبْنِهِ " الذي من ذاته.
2. ولأنَّه الابن الوحيد فهو الوارث لكلِّ شيء في الكون " الَّذِي جَعَلَهُ وَارِثاً لِكُلِّ شَيْءٍ " .
3. وهو الخالق ؛ خالق الكون " الْعَالَمِينَ ". ومن ثمَّ فهو الوارث لكلِّ شيءٍ لأنَّه خالق كلِّ شيءٍ .
4. وهو بهاء مجد اللَّه، شعاع مجد اللَّه، مثل شعاع الشمس الصادر عن الشمس دون أنْ ينفصل عنها، فهو نورٌ من نورٍ .
5. كما أنَّه رسم جوهر اللَّه، صورة جوهر اللَّه، صورة اللَّه الغير منظور ، الكائن في صورة اللَّه، الصورة المعبِّرة لذات اللَّه، الصورة التي تعبِّر عن صاحبها، صورة اللَّه الذي هو اللَّه ظاهرًا.
6. حامل كلُّ الأشياء في الكون، مُدَبِّر الكون ومديره ومُحَرِّكه وضابط نواميسه. فهو خالقه ومُدَبِّرَه .
- 23 -
7. الجالس في يمين العظمة في الأعالي، أي الجالس علي العرش الإلهيّ، كالإله المتجسِّد بعد أنْ قدَّم بدمه كإنسان الفداء لكلِّ البشريَّة.
5 – الأعظم من الملائكة : وبالإضافة إلي تميُّز المسيح عن جميع المخلوقات، سواء الملائكة والبشر، بالمميزات المذكورة أعلاه، يضع الكتاب المقارنة التالية بين المسيح والملائكة، فيقول : " صَائِراً أَعْظَمَ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ بِمِقْدَارِ مَا وَرِثَ اسْماً أَفْضَلَ مِنْهُمْ. لأَنَّهُ لِمَنْ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ قَالَ قَطُّ: «أَنْتَ ابْنِي أَنَا الْيَوْمَ وَلَدْتُكَ»؟ وَأَيْضاً: «أَنَا أَكُونُ لَهُ أَباً وَهُوَ يَكُونُ لِيَ ابْناً»؟ وَأَيْضاً مَتَى أَدْخَلَ الْبِكْرَ إِلَى الْعَالَمِ يَقُولُ: «وَلْتَسْجُدْ لَهُ كُلُّ مَلاَئِكَةِ اللهِ». وَعَنِ الْمَلاَئِكَةِ يَقُولُ: «الصَّانِعُ مَلاَئِكَتَهُ رِيَاحاً وَخُدَّامَهُ لَهِيبَ نَارٍ». وَأَمَّا عَنْ الاِبْنِ: «كُرْسِيُّكَ يَا أَللهُ إِلَى دَهْرِ الدُّهُورِ. قَضِيبُ اسْتِقَامَةٍ قَضِيبُ مُلْكِكَ. أَحْبَبْتَ الْبِرَّ وَأَبْغَضْتَ الإِثْمَ. مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ مَسَحَكَ اللهُ إِلَهُكَ بِزَيْتِ الاِبْتِهَاجِ أَكْثَرَ مِنْ شُرَكَائِكَ». وَ«أَنْتَ يَا رَبُّ فِي الْبَدْءِ أَسَّسْتَ الأَرْضَ، وَالسَّمَاوَاتُ هِيَ عَمَلُ يَدَيْكَ. هِيَ تَبِيدُ وَلَكِنْ أَنْتَ تَبْقَى، وَكُلُّهَا كَثَوْبٍ تَبْلَى، وَكَرِدَاءٍ تَطْوِيهَا فَتَتَغَيَّرُ. وَلَكِنْ أَنْتَ أَنْتَ، وَسِنُوكَ لَنْ تَفْنَى». ثُمَّ لِمَنْ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ قَالَ قَطُّ: «اِجْلِسْ عَنْ يَمِينِي حَتَّى أَضَعَ أَعْدَاءَكَ مَوْطِئاً لِقَدَمَيْكَ؟» أَلَيْسَ جَمِيعُهُمْ أَرْوَاحاً خَادِمَةً مُرْسَلَةً لِلْخِدْمَةِ لأَجْلِ الْعَتِيدِينَ أَنْ يَرِثُوا الْخَلاَصَ! " (عب1/4-14).
- 24 -
1. إنَّه، المسيح، ورث اسمًا أفضل منهم، من الملائكة، وهذا الاسم هو " اَلاِبْنُ " ابن اللَّه، ابن اللَّه الوحيد، الذي لم يتسمّ به أحد مطلقًا، سواء في السماء وعلي الأرض، فقد دُعي الملائكة وبعض البشر بأبناء اللَّه، ولكن لم يدع أحدهم مطلقًا بابن اللَّه، كما أن المسيح هو " اَلاِبْنُ الْوَحِيدُ الَّذِي هُوَ فِي حِضْنِ الآبِ " (يو1/18) ومن ذات الآب، صورة اللَّه الآب وبهاء مجده ورسم جوهره.
2. ثم يُؤكِّد تفرُّد المسيح، الابن، ابن اللَّه الوحيد، الفريد في جنسه، بقوله " لأَنَّهُ لِمَنْ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ قَالَ قَطُّ: «أَنْتَ ابْنِي أَنَا الْيَوْمَ وَلَدْتُكَ»؟" .
3. وأيضًا " أَنَا أَكُونُ لَهُ أَباً وَهُوَ يَكُونُ لِيَ ابْناً " .
4. وهو البكر الذي تسجد له جميع ملائكة اللَّه، والبكر هنا بمعني البكر من الأموات. والكتاب هنا يكشف لنا عن لقبَين للمسيح أُعْلِنَا بعد التجسُّد، لقب الابن الذي لم يُعْلَنْ عنه إلاَّ بعد التجسُّد، ولقب البكر الذي أُعطي له بالقيامة من الأموات، باعتباره باكورة القيامة من الأموات. ويقول الكتاب أيضًا " الَّذِي إِذْ كَانَ فِي صُورَةِ اللهِ، لَمْ يَحْسِبْ خُلْسَةً أَنْ يَكُونَ مُعَادِلاً لِلَّهِ. لَكِنَّهُ أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذاً صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِراً فِي شِبْهِ النَّاسِ. وَإِذْ وُجِدَ فِي الْهَيْئَةِ كَإِنْسَانٍ، وَضَعَ نَفْسَهُ وَأَطَاعَ حَتَّى الْمَوْتَ مَوْتَ الصَّلِيبِ.
- 25 -
لِذَلِكَ رَفَّعَهُ اللهُ أَيْضاً، وَأَعْطَاهُ اسْماً فَوْقَ كُلِّ اسْمٍ لِكَيْ تَجْثُوَ بِاسْمِ يَسُوعَ كُلُّ رُكْبَةٍ مِمَّنْ فِي السَّمَاءِ وَمَنْ عَلَى الأَرْضِ وَمَنْ تَحْتَ الأَرْضِ، وَيَعْتَرِفَ كُلُّ لِسَانٍ أَنَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ هُوَ رَبٌّ لِمَجْدِ اللهِ الآبِ." (في2/6-11).
فالمسيح بالتجسُّد " افْتَقَرَ وَهُوَ غَنِيٌّ" (2كو 8/9)، وضع نفسه " قَلِيلاً عَنِ الْمَلاَئِكَةِ" (عب2/9)، ولكنه اِرتفع مرَّة أخري وعاد لمجده السابق بالقيامة من الأموات.
5. لذا فالفرق بينه وبين الملائكة هو الفرق بين الجالس علي عرش العظمة في السموات، بين الخالق والخليقة .
6. هو الخالق الحيّ إلي الأبد الباقي الذي لا يُفني ولا نهاية له.
7. هو الجالس عن يمين العظمة في الأعالي، وهم، الملائكة، خدام اللَّه وخدام الوارثين للخلاص.
هذا بعض مما قاله الكتاب المقدَّس عن المسيح وما قاله هو عن نفسه، فما الفرق بينه وبين الأنبياء في الواقع؟ وما الذي تميَّز به عنهم ويكشف لنا عن عظمته وأنَّه الأعظم؟.
- 26 -
1ـ تميَّز في الحبل به من أمٍ عذراءٍ هي أعظم
نساء العالمين
(1) وُلِدَ المسيح من أم وُصفت في جميع الكتب التي كتبت عنها بأنَّها الإنسانة الوحيدة، بل المخلوقة الوحيدة، التي فاقت الملائكة والبشر ! فقد قيل عنها أنَّها :
1. أنَّها كانت مختارة، مصطفاة، علي نساء العالمين، أي في هذا العالم والعالم الآخر ! وأنَّها كانت نذيرة للَّه من قَبْل الحبل بها في بطن أمِّها، كانت مميَّزة علي سائر البشر من آدم وحتي يوم الدين.
2. وأنَّها الوحيدة التي كانت مطهَّرة، طاهرة، بحسب هذا المفهوم، من الذنوب حتي من قَبْل أنْ تُوْلَد، وأنَّ الشيطان لم يمسَّها منذ لحظة ولادتها من بطن أمِّها إلي لحظة وفاتها، كانت معصومة من مسِّ الشيطان، خاصَّة في فترة حملها بالمسيح وولادته !! جاء في الحديث " مَا مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ إِلاَّ نَخَسَهُ الشَّيْطَانُ، فَيَسْتَهِلُ صَارِخاً مِنْ نَخْسَةِ الشَّيْطَانِ، إِلاَّ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ" .
3. كما أنَّها نشأت نشأة متميِّزة علي سائر البشر في العالمين، فيُقال أنَّها تربَّت في الهيكل بمُجَرِّدِ بلوغها سنّ الثالثة، وعاشت في الهيكل حتي خُطِبَت ليوسف النجار ، أي عاشت كلّ حياتها منذ الطفولة منقطعة للعبادة ولا تعرف شيئًا غير العبادة .
- 27 -
4. وأنَّ اللَّه تقبلها قبولاً حسنًا وأنبتها نباتًا حسنًا، أي تربَّت ونمت ونشأت تحت رعاية اللَّه المباشرة، وأنَّ اللَّه كان يعتني بها وقد حفظها من مسِّ الشيطان كما بيَّنا أعلاه.
5. وأنَّها الإنسانة الوحيدة في العالمين التي أطعمها اللَّه من طعام الجنَّة، فيُقال أنَّ الملائكة كانوا يكلِّمونها ويأتون لها بطعام من السماء (الجنَّة)(3).
6. وأنَّ اللَّه جعلها مع اِبنها آية للعالمين.
(2) الأم العذراء : وُلد جميع الأنبياء من آباء وأمّهات عاديِّين، مثل سائر البشر، وقد تفاوتوا في البرِّ والقداسة ولكنَّهم كانوا في النهاية مجرَّد بشر، وقد وُلِدُوا بحسب ناموس الخليقة، بالزواج، والعلاقات الزوجيَّة وبحسب ناموس، قانون، الوراثة الذي وضعه اللَّه، مع ملاحظة طهارة الزواج والعلاقات الزوجيَّة كقول الكتاب " لِيَكُنِ الزِّوَاجُ مُكَرَّماً عِنْدَ كُلِّ وَاحِدٍ، وَالْمَضْجَعُ غَيْرَ نَجِسٍ." (عب13/4)، وحتي الآباء والأنبياء الذين وُلدوا بمعجزات مثل اِسحق ويوحنا المعمدان (تك17/19؛لو1/13) ،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(3) جاء في الكتاب الأبوكريفي المسمى بإنجيل يعقوب الأولي ف 8 : " وكانت مريم في هيكل الرب كأنما كانت يمامة تقطن هناك وتتناول طعامها من يدي ملاك " ، وجاء في ف 15 " وتلقت طعاماً من يد ملاك " ، وجاء في كتاب يسمى بشبيه متى ف 10 " يوميا يتحدث ملاك الله لها ، يوميا تتسلم طعاماً من أيدي الرب " ، ويقول كتاب ميلاد مريم ف 9 " فالعذراء التي كانت معتادة على الوجوه الملائكية " .
- 28 -
فقد وُلدوا أيضًا مثل سائر البشر، بالزواج وبحسب ناموس الوراثة. ولكن الربّ يسوع المسيح فقد وُلد بعيدًا عن ناموس الوراثة والزواج والعلاقات الزوجيَّة. فقد وُلِدَ من أمٍ ولكن بدون أبّ بشريّ ، وُلِدَ بقوَّة اللَّه وحلول الروح القدس مباشرة.
وقد قصد الكتاب المقدس بـ " العذراء "، العذراء إلي الأبد ! فكلِّ فتاة عذراء قبل الزواج تُدْعَي بـ " عذراء " لأنَّها عادة ما تكون عذراء إلي حين، أمَّا القدِّيسة مريم فقد دعيت بـ " الْعَذْرَاءُ " ، فهي الوحيدة العذراء قبل الحبل بالمسيح وأثناء الحبل به وبعد ولادته ! لأنَّ مولودها هو " عِمَّانُوئِيلَ "، اَللَّهُ مَعَنَا. لذا فقد وُصف حبلها بأنَّه " آَيَة " ؛ " وَلَكِنْ يُعْطِيكُمُ السَّيِّدُ نَفْسُهُ آيَةً: هَا الْعَذْرَاءُ تَحْبَلُ وَتَلِدُ ابْناً وَتَدْعُو اسْمَهُ «عِمَّانُوئِيلَ»." (اش7/14)، "هُوَذَا الْعَذْرَاءُ تَحْبَلُ وَتَلِدُ ابْناً وَيَدْعُونَ اسْمَهُ عِمَّانُوئِيلَ، الَّذِي تَفْسِيرُهُ: اَللَّهُ مَعَنَا" (مت1/23) .
(3) الممتلئة نعمة : كما وصفها الكتاب بالمُنْعم عليها، الممتلئة نعمة ، والمتميِّزة عن سائر النساء ببركة لم تنلها ولن تنالها واحدة منهن " فَدَخَلَ إِلَيْهَا الْمَلاَكُ وَقَالَ: «سَلاَمٌ لَكِ أَيَّتُهَا الْمُنْعَمُ عَلَيْهَا! اَلرَّبُّ مَعَكِ.
- 29 -
مُبَارَكَةٌ أَنْتِ فِي النِّسَاءِ». فَلَمَّا رَأَتْهُ اضْطَرَبَتْ مِنْ كَلاَمِهِ وَفَكَّرَتْ مَا عَسَى أَنْ تَكُونَ هَذِهِ التَّحِيَّةُ! فَقَالَ لَهَا الْمَلاَكُ: «لاَ تَخَافِي يَا مَرْيَمُ لأَنَّكِ قَدْ وَجَدْتِ نِعْمَةً عِنْدَ اللهِ. " (لو1/28ـ30) . وعندما ذهبت لزيارة أليصابات، صرخت أليصابات عند رؤيتها وقالت بالروح القدس الذي حلَّ عليها في تلك اللحظة " مُبَارَكَةٌ أَنْتِ فِي النِّسَاءِ وَمُبَارَكَةٌ هِيَ ثَمَرَةُ بَطْنِكِ! فَمِنْ أَيْنَ لِي هَذَا أَنْ تَأْتِيَ أُمُّ رَبِّي إِلَيَّ؟" (لو1/42- 43) .
والسؤال هنا هل نالت أيّ أمّ من أمِّهات جميع الأنبياء وتميَّزت بما تميَّزت به ونالته العذراء ؟! والإجابة : كلا ! والسؤال الطبيعيّ هنا هو ؛ لماذا وُصفت العذراء القدِّيسة مريم بهذه الأوصاف التي وضعتها فوق مستوي جميع النساء، بلّ وفوق مستوي جميع البشر بما فيهم الأنبياء، في الوجود كلّه ؟! والإجابة المنطقيَّة هي: لأنَّ الذي حُبِلَت به وولدته هو فوق مستوي جميع البشر! هذه الإجابة المنطقيَّة أجابتها أليصابات في بساطة، بالروح القدس عندما وصفت العذراء بـ " أُمُّ رَبِّي " ؛ " مِنْ أَيْنَ لِي هَذَا أَنْ تَأْتِيَ أُمُّ رَبِّي إِلَيَّ؟ " !!
تميَّز المسيح عن سائر الأنبياء بأنَّه قد وُلد من أمٍّ عذراء بدون أبّ، وُلِدَ بدون زرع بشر، حبلت به العذراء علي عكس ناموس الطبيعة وقانون الوراثة اللَّذان وضعهما اللَّه للحبل والولادة، حبلت به بالروح
- 30 -
القدس. وقد وُلِدَ جميع الأنبياء، دون استثناء، ولادة طبيعيَّة، بحسب ناموس الطبيعة وقانون الوراثة من آباء وأمِّهات. قال الملاك للعذراء عندما بشَّرها بالحبل بالمسيح " وَهَا أَنْتِ سَتَحْبَلِينَ وَتَلِدِينَ ابْناً وَتُسَمِّينَهُ يَسُوعَ. هَذَا يَكُونُ عَظِيماً وَابْنَ الْعَلِيِّ يُدْعَى وَيُعْطِيهِ الرَّبُّ الإِلَهُ كُرْسِيَّ دَاوُدَ أَبِيهِ وَيَمْلِكُ عَلَى بَيْتِ يَعْقُوبَ إِلَى الأَبَدِ وَلاَ يَكُونُ لِمُلْكِهِ نِهَايَةٌ" (لو1/31ـ33). ذُهِلَت العذراء عند سماعها هذا الكلام وقالت للملاك متسائلة " كَيْفَ يَكُونُ هَذَا وَأَنَا لَسْتُ أَعْرِفُ رَجُلاً؟ ". فهي لم تتصوَّر أبدًا أنَّها يمكن أنْ تحبل بدون زواج، وسؤالها هذا يدلّ ويُؤكِّد أنَّ الزواج لم يكنْ في نيَّتها مطلقًا!! ولكن أشعياء النبي كان قد سبق وتنبَّأ قبل ذلك بحوالي 700 سنة بهذا الحبل الآية " يُعْطِيكُمُ السَّيِّدُ نَفْسُهُ آيَةً: هَا الْعَذْرَاءُ تَحْبَلُ وَتَلِدُ ابْناً وَتَدْعُو اسْمَهُ «عِمَّانُوئِيلَ»" (اش7/14). إذًا كيف حَبَلَت العذراء ؟ ولماذا كان عليها أنْ تحبل وتلد بدون زرع بشر وبعيدًا عن ناموس الحبل والولادة الذي وضعه اللَّه؟ وقد جاءت الإجابة علي فم الملاك " فَأَجَابَ الْمَلاَكُ: «اَلرُّوحُ الْقُدُسُ يَحِلُّ عَلَيْكِ وَقُوَّةُ الْعَلِيِّ تُظَلِّلُكِ فَلِذَلِكَ أَيْضاً الْقُدُّوسُ الْمَوْلُودُ مِنْكِ يُدْعَى ابْنَ اللهِ." (لو1/35). إذًا فالمولود هو :
- 31 -
(أ) المولود بقوة اللَّه التي ظلَّلت العذراء وحلول الروح القدس عليها "تجسَّد من الروح القدس ومن مريم العذراء تأنَّس"، أي أنَّ الأبّ الحقيقيّ له هو اللَّه! ومن ثمَّ يُدْعَي بالحقيقة ابن اللَّه، سواء قبل التجسُّد أو بعد التجسُّد، فهو المولود من الآب قبل كل الدهور بلاهوته، والمولود من العذراء القدِّيسة مريم بالروح القدس عند تجسُّده! لذا يُدْعَي بالحقيقة " ابْنَ اللهِ "، " ابْنَ الْعَلِيِّ ".
(ب) وهو القدُّوس، كما قال الملاك " الْقُدُّوسُ الْمَوْلُودُ مِنْكِ "، والقدُّوس لقب من ألقاب اللَّه! فهل حُبِلَ بأحدٍ ما، سواء من الأنبياء أو غيرهم، بهذه الطريقة ؟! وهل دُعِي أحدٌ منهم بالقدُّوس وابن العلي وابن اللَّه ؟!! والإجابة؛ كلا ! فلماذا وُلِدَ المسيح بهذه الطريقة ولماذا لُقِّبَ بهذه الألقاب الخاصَّة باللَّه ؟!!(*)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
- 32 -
بعد أنْ بشَّر الملاك العذراء مريم بالحبل الإلهيّ بشَّرها أيضًا بحبل أليصابات بابنٍ في شيخوختها، فقامت العذراء وذهبت بسرعة إلي بيت زكرِّيا وسلَّمَت علي أليصابات، وبمجرَّد سلامها عليها حلَّ الروح القدس علي أليصابات بسرٍّ عظيم وحدثت عدة أمور لا يُمكن أنْ تًسَمَّي إلاَّ بالإعجاز الإلهيّ:
" فَلَمَّا سَمِعَتْ أَلِيصَابَاتُ سَلاَمَ مَرْيَمَ ارْتَكَضَ الْجَنِينُ فِي بَطْنِهَا وَامْتَلإتْ أَلِيصَابَاتُ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ وَصَرَخَتْ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ وَقَالَتْ: «مُبَارَكَةٌ أَنْتِ فِي النِّسَاءِ وَمُبَارَكَةٌ هِيَ ثَمَرَةُ بَطْنِكِ! فَمِنْ أَيْنَ لِي هَذَا أَنْ تَأْتِيَ أُمُّ رَبِّي إِلَيَّ؟ فَهُوَذَا حِينَ صَارَ صَوْتُ سَلاَمِكِ فِي أُذُنَيَّ ارْتَكَضَ الْجَنِينُ بِابْتِهَاجٍ فِي بَطْنِي. فَطُوبَى لِلَّتِي آمَنَتْ أَنْ يَتِمَّ مَا قِيلَ لَهَا مِنْ قِبَلِ الرَّبِّ»" (لو1/39ـ45) .!!
- 33 -
إنتفض الجنين (يوحنا)، الذي حملت به أمّه منذ ستَّة شهور، في بطن أليصابات ابتهاجًا بقدوم الجنين الإلهيّ الموجود في بطن مريم العذراء والذي حبلت به منذ أقلّ من أسبوع، شعرت أليصابات بحركة قويَّة داخل أحشائها واضطرب قلبها بنورٍ جديدٍ ثم أوحي إليها الروح القدس بسرٍّ عظيم ودفعها لأنْ تهتف فرحة مسرورة لتقول ما قالته للعذراء، ويقول الحديث أنَّ أليصابات قالت للعذراء أنَّ " من في بطني يسجد لمن في بطنك"!! فلماذا سجد يوحنا للمسيح؟! وكيف تحوَّل يوحنا إلي هذه الدرجة من المعرفة وهو جنين حبلت به أمّه منذ ستَّة أشهر، وأدرك أنَّ من في بطن العذراء هو الذي يجب السجود له؟!
بمجرَّد سلام العذراء، الحامل بالجنين الإلهيّ حلَّ الروح القدس علي أليصابات وتحوَّلت إلي نبيَّة وعرفت بالروح القدس ما لم يعرفه يوسف النجَّار إلاَّ بعد أنْ ظهر له الملاك في حلمٍ إلهيٍّ (مت1/20)، كما عرفت أيضًا أنَّ الذي في بطن العذراء هو الربّ نفسه ولذا فقد دعتها بأمّ الرب "