الإعلان الإلهي وكيف كلم الله الإنسان
كيف كشف الله أسرار الحياة والوجود، وجود الله الواحد الحى الأبدى الأزلى، الأول والآخر، الذى لا بداية ولا نهاية، مصدر الوجود ونبع الحياة الذى "فيه كانت الحياة"، ووجود الحياة والكون وما فيه من حِيوات سواء فى الأرض أو فى عالم الروحيات، ما فى السموات وما على الأرض، الكائنات السمائية الروحية الملائكية والإنسان والجماد وكل ما يدب عل الأرض وكل ما يوجد فى الكون، بحسب ما يستطيع الإنسان أن يدرك أو يستوعب؟ كيف علّم الإنسان وأعطاه الوصايا والشرائع والنواميس والتعاليم الإلهية وكيف يسلك بحسب إرادة الله، وعرف الثواب والعقاب سواء فى هذا العالم أو فى العالم الآخر، الآخرة؟
كيف ظهر فى القديم وتجسد فى ملء الزمان وتجلى على مر العصور وتكلم من خلال الأنبياء والرسل وأعلن عن ذاتهُ فى كلمتهُ المتجسد؟، وكيف أرسل الملائكة، وكيفية الظهورات الإلهية والملائكية، وكيف تكلم بروحهُ القدوس بفم وعلى لسان الأنبياء والرسل؟ كيف حل الروح القدس عليهم؟ وكيف تكلم الله من خلال الرؤى والأحلام وغيرها من الوسائل التى أعلن بها الله عن ذاتهُ وإرادتهُ؟ وما هى الرؤى الإلهية والأحلام الإلهية وما الفرق بينهما وبين الأحلام العادية التى يراها أى إنسان كل يوم فى نومه؟ يقول القديس بولس بالوحى الإلهى فى الرسالة إلى العبرانيين "الله بعدما كلم الآباء بالأنبياء قديماً بأنواعٍ وطرقٍ كثيرة كلّمنا فى هذه الأيام الأخيرة فى أبنهُ الذى جعلهُ وارثاً لكل شئ الذى به أيضاً عمل العالمين الذى وهو بهاء مجدة ورسم جوهره وحامل كل الأشياء بكلمة قدرتة. . ." (عب1:1ـ3).
وفى هذا الكتاب "الإعلان الإلهى وكيف كلم الله الإنسان" نقدم بحثاً تفصيلياً ودراسة كتابية لاهوتية ولغوية على أساس آيات ونصوص الكتاب المقدس وكلماته الإلهية من خلال الإعلان الواضح للإعلان الإلهي كما أوضحه السيد المسيح فى تعليمه الإلهى الذى كشف لنا فيه عن كل ما يختص بالذات الإلهية وإرادة الله باعتباره كلمة الله الذاتى ونطقه العاقل من ذات الأب وفى ذاته، صورة الله وبهاء مجده ورسم جوهره، حكمة الله وقوته، الإله الوحيد، الذى فى حضن الأب الذى اخبر عنه والوحيد الذى يعلن عن ذاته وإرادته لأنه منه وفيه. ومن خلال ما كشفه وأعلنه وعلمه الروح القدس روح الأب والابن الذى يرسله الابن من الأب.
ونسأل الله أن يأتى هذا الكتاب (البحث) بالثمار المطلوبة ببركة وصلوات العذراء القديسة مريم وجميع الأباء والأنبياء والرسل والقديسين . وبصلوات قداسة البابا المعظم الأنبا شنودة الثالث الأستاذ والعالم والمعلم، باعث النهضة الأرثوذكسية القبطية فى العصر الحديث، ونيافة الأنبا مرقس، أبى الروحى، أسقف شبرا الخيمة وتوابعها، اللذان يشجعانى ويدفعانى دائماً للبحث والدراسة والنشر.
ونطلب ونسأل أن تكون نعمة ربنا يسوع المسيح مع الجميع . أمين .
القس
عبد المسيح بسيط أبو الخير
عيد الميلاد المجيد
29كيهك 1713ش
7يناير 1997م
الفصل الأول
الإعلان الإلهى
أو اتصال الله بالبشرية
1ـ حاجة البشرية للاتصال بالله
خلق الله الإنسان على صورته(1) "على شبه" الله عمله(2) وكان كما يقول القديس بولس بالروح "صورة الله ومجده(3)" وجعله الله تاج لخليقته وخليفة له فى أرضة، ومنحه "نسمة حياه(4)" ، نعمة الوجود فى الحياة ككائن حى، ووضعه في جنة عدن ووهبه نعمة الوجود فى الحضرة الإلهية عندما كان يتحدث مع الله ويسمع صوته من الريح العاصف(5). وكان على الإنسان أن يقدم الحمد والشكر والتمجيد لله خالقه ويهتف مع الخليقة قائلاً "أنت مستحق أيها الرب أن تأخذ المجد والكرامة والقدرة لأنك خلقت كل الأشياء وهى بإرادتك كائنه وخُلقت(6)".
وأعطى الله الإنسان الذى خلقه على صورته كشبهه(7) السلطان على كل شىء على الأرض "على سمك البحر وعلى طير السماء وعلى كل حيوان يدب على الأرض(8)". ولكن الإنسان عصى الله وسقط فى الخطية وطرد من جنة عدن وحرم من نعمة الوجود فى الحضرة الإلهية، إذ فصلت الخطية بينه وبين الله(9)، وصارت هناك قوه سحيقة بينه وبين الله "فطرد الإنسان وأقام شرقى جنة عدن الكروبيم ولهيب سيف متقلب لحراسة شجرة الحياة(10)".
وعلى الرغم من أن الله كان يتصل بآدم ويكلمه وكان أدم يسمع صوته "عند هبوب ريح النهار(11)" وأستمر الله يكلم ذريته مثل قايين(12) ونوح(13) ويسمعون صوته، إلا إنه، الله، فى جوهره وطبيعته غير مرئى وغير مدرك وغير محدود، سواء بالنسبة لأدم أو بقية الخليقة. فهو غير محدود فى المكان "أما أملأ أنا السموات والأرض يقول الرب(14)"، وغير محدود فى الزمان "أنا الأول وأنا الأخر ولا إله غيرى(15)"، "الكائن والذى كان والذى يأتى(16)" ، أى الذى لا بداية له ولانهاية له، وغير محدود فى القدرة "القادر على كل شئ(17)" وغير مرئى "الله لم يره أحد قط(18)"، "لا يفنى ولا يُرى(19)"، " الذى له وحده عدم الموت ساكناً فى نور لا يدنى منه الذى لم يره أحد من الناس ولا يقدر أن يراه(20)"، وير مدرك بالحواس "القدير لا ندركه(21)"، "ليس عن فهمه فحص(22)"، "ما أبعد أحكامه عن الفحص وطرقه عن الاستقصاء(23)"، أو كما يقول الحكيم بالروح "كما أنك لست تعلم ما هى طرق الريح ولا كيف العظام فى بطن الحبلى كذلك لا تعلم أعمال الله الذى يصنع الجميع(24)".
ولأن الله غير محدود فى كل شئ والإنسان، خليقة الله، على العكس تماماً، محدود فى كل شئ، والمحدود لا يمكن أن يدرك غير المحدود، لذلك لم ولا ولن يستطيع عقل الإنسان المحدود أن يدرك الله غير المحدود على الإطلاق.
2- الطبيعة تكشف وتعلن عن وجود الله فى خليقته :
والسؤال الآن هو : إذا كان الإنسان المحدود لا يستطيع أن يدرك الله غير المحدود ويتصل به من تلقاء ذاته أو يراه فى طبيعته، ألا يمكن أن يدركه ويراه فى خليقته؟
والإجابة على هذا السؤال نجدها فى الكتاب المقدس، الذى يقول لنا أن الله ظاهراً فى أعماله ومعلن عنه فى خليقته "أنه عن كل واحد منا ليس بعيداً. لأننا به نحيا ونتحرك ونوجد(25)"، وهو يكشف عن ذاته ويعلن عن وجوده فى خليقته "لأن أموره غير المنظورة تُرى فمنذ خلق العالم مُدركه بالمصنوعات قدرته السرمدية ولاهوته(26)"، وكما يقول المرنم بالروح "السموات تحدث بمجد الله والفلك يخبر بعمل يديه(27)"، وكما يقول الرسول بالروح "لم يترك نفسه بلا شاهد وهو يفعل خيراً ويعطينا من السماء أمطاراً وأزمنة مثمرة ويملأ قلوبنا طعاماً وسروراً(28)".
وبرغم أن الله ظاهراً فى خليقته إلا أن البشرية ضلت عنه وتاهت بعيداً، وبدلاً من أن تمجد الله وتقدم له الكرامة والمجد والشكر والعبادة والسجود كالإله الوحيد والخالق الوحيد للكون، إلا إنها فعلت ذلك لمخلوقاته التى خلقها هو "أبدلوا مجد الله الذى لا يفنى بشبه صرة الإنسان الذى يفنى والطيور والدواب والزحافات ... استبدلوا حق الله بالكذب واتقوا وعبدوا المخلوق دون الخالق(29)".
ولكن الله الذى أحب خليقته حتى المنتهى(30)، محبة أبدية(31)، والذى يجد لذته فى بنى آدم(32)، لم يفرط فى الإنسان الذى خلقه على صورته كشبهه، تاج خليقته وخليفته على أرضه، وبادر هو ذاته للاتصال بالإنسان وأعلن له عن ذاته وعن وجوده وعن إرادته وغايته وعن أموره غير المنظورة(33).
3- الإعلان الإلهى (اتصال الله بالبشرية) :
لما فشلت البشرية أن تدرك الله وتعرفه من أعماله فى خليقته بادر هو بذاته للاتصال بالإنسان وكشف له عن حقائق الوجود والحياة، ما يُرى وما لا يُرى، ما فى السموات وما على الأرض، والحياة فى هذا العالم والحياة فى الدهر (العالم) الآتى، عالم المادة وعالم الروح والكائنات السمائية، المنظورة وغير المنظورة، الحياة الآخرة وما وراء الموت، الدينونة والأبدية، وكثير من الأمور التى لا يمكن للإنسان المحدود أن يدركها بعقله المحدود وفكره القاصر، أعلن له حقائق الوجود وبعض أسراره. وهذا ما يسمى فى الكتاب بالإعلان الإلهى الفائق للطبيعة، أى الذى يأتى من علام الروح وما وراء المادة، من الله مباشرة.
فى الفقرة السابقة، أعلاه، يستخدم علم اللاهوت كلمات؛ اتصال وكشف وإعلان، فماذا تعنى هذه الكلمات فى الكتاب المقدس؟
أ- فى العهد القديم : يستخدم الوحى الإلهى الفعل العبرى "جالا ـ Galah" والذى يعنى "يُعلن"، "يستعلن"، "يكشف" وذلك للتعبير عن إعلان الله لذاته وإرادته وغايته وكشف أسراره لأنبيائهُ وإستعلان مجده، كما تبين الآيات التالية :
D "لأنك أنت يا رب الجنود قد أعلنت لعبدك (داود) قائلاً أنى أبنى لك بيتاً" (2صم 7:7).
D "السيد الرب لا يصنع أمراً إلا وهو يكشف سره لعبيده الأنبياء" (عا 7:3).
D "لأن الرب أستعلن (تجلى – تراءى) لصموئيل فى شيلوه بكلمة الرب" (1صم12:3).
D "لأنك كشفت دعواى (يا رب الجنود)" (أر 20:11).
D "حينئذ لدانيال كشف السر فى رؤيا الليل" (دا 19:2).
D "لكن يوجد إله فى السموات كاشف الأسرار" (دا 28:2).
D "فأعلن فى آذني رب الجنود" (أش 14:22).
D "فيعلن (يظهر – يتجلى) مجد الرب ويراه كل بشر" (أش 5:40).
D "فى السنة الثالثة لكورش ملك فارس كُشف أمر دانيال" (دا 1:10).
ب- فى العهد الجديد : استخدم الوحى الإلهى كلمة "أبوكاليبسيس ـ Apokalyptw" اليونانية والتى تعنى "إعلان" و"إستعلان" والتى جاءت أصلاً من الفعل اليونانى "أبوكاليبتو ـ Apoklyptw" والذى يعنى "يعلن" و"يكشف" أى يكشف الغطاء عن، أو يرفع، يزيل، الغطاء أو الحجاب عن شئ و"يستعلن". واستخدم كل من الاسم "أبو كاليبسيس" والفعل "أبوكاليبتو" فى العهد الجديد للتعبير عن الإعلانات الإلهية التى تكشف عن الحقائق الإلهية وأسرار ملكوت السموات وظهور الرب يسوع المسيح :
D "إستعلان دينونة الله" (رو 5:2).
D "وللقادر أن يثبتكم حسب إنجيلى والكرازة بيسوع المسيح حسب إعلان السر الذى كان مكتوماً فى الأزمنة الأزلية ولكن ظهر الآن وأعلم به جميع الأمم..." (رو 25:16،26).
D "فإنى آتى إلى مناظر الرب وإعلاناته. اعرف إنساناً فى المسيح قبل أربع عشرة سنة أفى الجسد لست أعلم أم خارج الجسد لستُ أعلم. الله يعلم. أختطف هذا إلى السماء الثالثة ... إنه أُختطف إلى الفردوس وسمع كلمات لا ينطق بها ولا يسوغ لإنسان أن يتكلم بها" (2كو 1:12-4).
D "أعرّفكم أيها الأخوة الإنجيل الذى بشرتُ به أنهُ ليس بحسب إنسان. لأنى لم أقبله من عند إنسان ولا علّمتهُ (أخذتهُ). بل بإعلان يسوع المسيح" (غل 11:1،12).
D "أنه بإعلان عرفن بالسر ... سر المسيح. الذى فى أجيال أُخرى لم يُعرّف به بنو البشر كما قد أعلن الآن لرسله القديسين وأنبيائهُ بالروح" (أف 3:3-5).
D "لذلك منطقوا أحقاء ذهنكم صاحين فألقوا رجاءكم بالتمام على النعمة التى يُؤتى بها إليكم عند إستعلان يسوع المسيح" (1بط 13:1).
D "إعلان يسوع المسيح الذى أعطاه الله إياه ليُرى عبيده ما لابد أن يكون" (رؤ1:1).
فى الآية الأولى يكشف عن قضاء الله ودينونته، وفى الثانية يتكلم عن كشف أو إعلان سر كشفه الله وأعلنه للرسل والأنبياء، هذا السر هو سر تجسد المسيح، وفى الثالثة يتكلم عن الإعلانات الإلهية التى كُشفت أو أُعلنت له من خلال رؤيا أو غيبة روحية صعد فيها إلى السماء الثالثة الفردوس، وفى الرابعة يتكلم عن إعلان الإنجيل، أو إعلان البشارة، بشارة الخلاص، الذى أستلمه من المسيح الممجد فى السماء مباشرة، وفى الخامسة يتكلم عن إعلان سر المسيح الذى أعلنه الروح القدس للأنبياء والرسل القديسين، وفى السادسة يتكلم عن ظهور المسيح فى مجيئه الثانى، وفى السابعة يتكلم عن الإعلان الإلهى الذى أعلنه السيد المسيح للقديس يوحنا الرسول الذى هو سفر الرؤيا ذاته.
4- أنواع وطرق الإعلان الإلهى :
والسؤال الآن هو : كيف أتصل الله بالبشرية، وكيف أعلن عن ذاته وأعماله وخلائقه سواء التى تُرى أو التى لا تُرى؟ كيف كشف عن أسرار ملكوت الله وعن أموره غير المنظورة؟ ما هى الطرق والوسائل التي أعلن بها عن ذلك؟ وكيف يتكلم؟
يقدم لنا الوحى الإلهى فى الكتاب المقدس الإجابة على ذلك فى الآيات التالية :
D "الله بعد ما كلم الأباء بالأنبياء قديماً بأنواع وطرق كثيرة كلمنا فى هذه الأيام الأخيرة فى أبنه الذى جعلهُ وارثاً لكل شئٍ الذى به أيضا عمل الصالحين. الذى وهو بهاء مجده ورسم جوهره وحامل كل الأشياء بكلمة قدرته" (عب 1:1-3).
D "إن كان منكم نبياً للرب فبالرؤيا أستعلن له فى الحلم أكلمهُ. أما عبدى موسى فليس هكذا بل هو أمين فى كل بيتى. فماً إلى فم وعياناً أتكلم معه بالألغاز وشبه الرب يعاين" (عد 6:12-8).
D "السيد الرب لا يصنع أمراً إلا وهو يعلن سره لعبيده الأنبياء" (عا 7:3).
D "أيها الرجال الأخوة والأباء أسمعوا. ظهر إله المجد لأبينا إبراهيم وهو فى ما بين النهرين قبلما سكن فى حاران وقال له أخرج من أرضك ومن عشيرتك وهَلُمّ إلى الأرض التى أريك" (أع 2:7،3).
من هذه الآيات وغيرها من آيات الكتاب المقدس يتبين لنا أن هناك أربعة عناصر فى عملية الإعلان الإلهى أو اتصال الله بالبشرية هى :
1- الله ذاته، المُرسل، المُعلن، المُتحدث، ومصدر الإعلان والرسالة.
2- الإنسان، المُرسل إليه، المقصود بالرسالة، مُتلقى الإعلان والرسالة.
3- الأنبياء، الرسل، الوسطاء بين الله والإنسان، حاملو الإعلان والرسالة.
4- أنواع وطرق الإعلان ، الكيفية التى تحدث بها الله للإنسان، وسائل الإعلان والرسالة.
الأنبياء
الله
الإنسان
أنواع وطرق الإعلان
كما يتبين لنا أيضا أن هناك وسائل كثيرة، أنواع وطرق متعددة، استخدمها الله فى حديثه مع البشرية والاتصال بها والإعلان عن ذاته، بدأت بالظهورات الإلهية لله نفسه فى أشكال وهيئات جسمية مثل الرجال، واستخدام عناصر الطبيعة كالسحاب والنار والزلازل والبروق والرعود والدخان الذين تحدث الله من وسطها ومن خلالها وخُتمت فى العهد الجديد بالتجسد الإلهى واتخاذ الكلمة جسداً كاملاً محسوساً، وظهر فى الجسد وأخذ شكل العبد وهيئة الإنسان "وحل بيننا ورأينا مجده مجداً(34)".
الفصل الثانى
الظهورات الإلهية (الثيؤفانيا ـ Theophania)
تكلم الله مع الأباء البطاركة، من آدم إلى يعقوب، ثم موسى النبى وتخاطب معهم "فماً لفم" وسمعوه بآذانهم كما يسمع الإنسان صوت الإنسان أو الطبيعة وكل ما له صوت مسموع، وظهر لهم فى أشكال مرئية للعين، رأوا فيها "شبه الرب" أو كما قيل عن موسى النبى "وشبه الرب يعاين"، ولكن دون أن يروه بلاهوته، فى طبيعته النورانية والروحية، وجوهره الذى لا يُرى. ظهر لهم فى أشكال مؤقتة وهيئات جسمية مثل الرجال. هذه الظهورات أسماها علماء اللاهوت "الثيؤفانيا ـ Theophania" أو "ثيؤفانى ـ Theophany"، أى ظهور إلهى. وهذا التعبير اللاهوتى مأخوذ ومركب من كلمتين يونانيتين هما "ثيؤسى ـ Theos" أى "الله" و"فانين ـ Phanein" أى "يظهر".
والعهد الجديد يقدم لنا فى المثالين التاليين نموذجين للظهورات الإلهية فى هيئات جسمية مرئية :
أ- فى معمودية السيد المسيح من يوحنا المعمدان يقول الكتاب "ونزل عليه الروح القدس بهيئة جسّمية مثل حمامة(35)"، "وصوت من السماء قائلاً هذا هو ابن الحبيب الذى به سررت(36)".
ب- وعند حلول الروح القدس على التلاميذ يوم الخمسين "صار بغتةً من المساء صوت كما من هبوب ريح عاصفة وملأ كل البيت حيث كانوا جالسين وظهرت لهم ألسنة منقسمة كأنها من نار واستقرت على واحد منهم وامتلأ الجميع من الروح القدس. وأبتدأوا يتكلمون بألسنة أخرى كما أعطاهم الروح القدس أن ينطقوا(37)".
وهنا نرى أن الروح القدس الذى هو روح الله، الله روح، غير المرئى، يظهر فى العماد فى "هيئة جسمية مثل حمامة" وفى اليوم الخمسين يظهر فى شكل وهيئة "ألسنة منقسمة كأنها من نار"، ليس هو حمامة ولكنه ظهر فى هيئة وشكل "مثل" حمامة، وليس هو نار مادية وإنما ظهر فى هيئة وشكل السنة منقسمة "كأنها" من نار.
والعهد الجديد يتكلم أيضا عن ظهور الله لإبراهيم "ظهر إله المجد لأبينا إبراهيم(38)"، وظهور "ملاك الرب" لموسى النبى "ظهر له ملاك الرب فى برية جبل سيناء فى لهيب نار عُلّيقة(39)"، ويستخدم الفعل اليونانى "Optomai" والذى يعنى "يرى، يعاين، يظهر" والذى استخدمه الوحى الإلهى حوالى 48 مرة من 55 مرة للتعبير عن ظهورات إلهية وملائكية كظهور الله لإبراهيم وملاك العهد لموسى النبى وظهور الملاك فى بستان جثسيمانى(40)، وظهور موسى وإيليا مع المسيح على جبل التجلى(41)، وظهورات الرب القائم من الموت بعد القيامة للتلاميذ والرسل(42)، وظهوراته عند المجيئ الثانى(43)، ومشاهدة ورؤية رؤى وإعلانات فى رؤى كرؤى القديس يوحنا(44)،وفى كل الأحوال يعنى رؤية ظهورات واضحة ومرئية للعين الخارجية، ورؤى سماوية مدركة بالعين الداخلية، وكلاهما مدرك بالعقل والحواس أيضا لأنهما مرتبطان بمعجزات ظاهرة ومحسوسة وملموسة، ونبوات تمت بعد هذه الإعلانات سواء فى أيام الأنبياء وحياة معاصريهم أو بعد ذلك بقليل أو كثير.
وكما كانت الظهورات الإلهية منظورة ومرئية بالعين الخارجية كانت أيضا مسموعة بالآذان الخارجية، مدركة بالحس والعقل. كان صوت المتكلم مسموع جيداً بالأذن كما يسمع الإنسان صوت الإنسان وصوت الحيوان وصوت الطبيعة، فقد سمع التلاميذ الصوت الآتى من السماء سواء عند المعمودية أو على جبل التجلى "هذا هو أبنى الحبيب الذى به سررت(45)"، كما سمع الأباء والأنبياء صوت الله وهو يتحدث معهم أثناء ظهوراته لهم، ويقدم حديث الله مع صموئيل النبى وهو بعد صبى مثال واضح لذلك. إذ أنه عندما نادى الله الصبى صموئيل وهو فى الهيكل وسمع صموئيل الصوت ظن أنه صوت عالى الكاهن فذهب إليه "وقال له هأنذا لأنك دعوتنى. فقال لم أدع يا أبنى" ولما تكرر ذلك ثلاث مرات "فهم عالى أن الرب يدعو الصبى. فقال عالى أذهب وأضطجع ويكون إذا دعاك تقول تكلم يا رب لأن عبدك سامع ... فجاء الرب ووقف ودعا كالمرات الأول صموئيل صموئيل. فقال صموئيل تكلم لأن عبدك سامع(46)".
1- ظهورات الله لآدم وحديثه معه :
فى جنة عدن وقبل الخطية والسقوط تمتع الإنسان بحضرة الله وعشرته وكان الله يظهر له بشكل مرئى وهيئة مرئية بالعين الخارجية، وعلى الرغم من أن الكتاب لا يصف لنا الشكل الذى ظهر به الله لآدم ولا الهيئة التى رآه فيها، إلا أن المشهد كله يوحى بأنه ظهر له فى شكل وهيئة إنسان، خاصة وأن الكتاب يقول أن الله خلق الإنسان على صورته كشبهه، كما كان آدم يسمعه ماشياً فى الجنة.
وفى أول حديث الله مع آدم بعد خلقته يقول الكتاب "وأخذ الرب الإله آدم ووضعه فى جنة عدن ليعملهما (يخدمهما) ويحفظهما. وأوصى الرب الإله آدم قائلاً : من جميع شجر الجنة تأكل أكلاً. وأما شجرة معرفة الخير والشر فلا تأكل منها. لأنك يوم تأكل منها موتأ تموت(47)". وهنا نرى، بعد الخليقة، تعامل الله المباشر مع آدم "أخذه" و"وضعه" و"قال له".
وبعد الخطية والسقوط، وفى ثاني حديث يذكره الكتاب لله مع آدم نرى هيبة ورهبة الوجود فى حضرة الله أثناء ظهوره لآدم فى مشهد مهيب مخوف مصاحب بصوت رعود، إذ يقول "وسمعا صوت الرب الإله ماشياً فى الجنة عند هبوب ريح النهار.فاختبأ آدم وامرأته من وجه (حضرة) الرب الإله فى وسط شجر الجنة. فنادى الرب الإله آدم وقال لهُ أين أنت. فقال سمعت صوتك فخشيت لأنى عريان فاختبأت(48)". ويدل سماع الصوت هنا ليس على مجرد وقع أقدام فحسب، وإنما على صوت رعود مصاحبه لظهوره(49)، وكما يدل هروبهما واختباؤهما من وجه الرب، أى من حضرته أو حضوره، على أن ظهوره كان فى هيئة إنسان مهيب وعلى خجلهما وحيائهما وعدم قدرتهما على الوقوف فى الحضرة الإلهية بسبب السقوط فى الخطية والشعور بالذنب والإثم، ومن ثم نادى الله على آدم وقال له "أين أنت" ليس جهلاً بمكانه فهو العالم بكل شئ فكل شئ مكشوف وعريان أمامه(50)، وإنما ليقوده ويصل به إلى الاعتراف بما فعل، فقد تعامل الله معه بأسلوب يتناسب مع طفولته البشرية.
2- ظهور الله وأحاديثه مع قايين ونوح :
بعد طرد آدم من الفردوس وعلى أرض التعب، خارج جنة عدن، يذكر الكتاب كلام الله مع قايين ونوح، وبالرغم من أنه لم يذكر الكيفية التى تعامل بها معهما، إلا أن تعامل الله مع آدم والأباء البطاركة بعد ذلك من خلال ظهورات إلهية يوحى، بل ويفترض، إنه تكلم أيضاً مع قايين ونوح من خلال ظهورات إلهية فى هيئة مرئية.
يقول الكتاب "فقال الرب لقايين ... فخرج قايين من لدن الرب(51)"، "فقال الله لنوح نهاية كل قد أتت أمامى. لأن الأرض امتلأت ظلماً منهم. فها أنا مهلكهم مع الأرض. أصنع لنفسك فلكاً من خشب جفر ... فها أنا آت بطوفان الماء على الأرض لأهلك كل جسد فيه روح حياة من تحت السماء. كل ما فى الأرض يموت. ولكن أقيم عهدى معك. فتدخل الفلك أنت وبنوك وامرأتك ونساء بنيك معك ومن كل حى من كل ذى جسد أثنين من كلٍ يُدخل إلى ال&