إعجاز الوحى والنبوة فى سفر دانيال

مقدمة

سفر دانيال النبى هو رؤيا العهد القديم، وسفر النبوات التى تكون أكثر من 40% من مجموع آياته، والسفر الذى تنبأ بنبوات تفصيلية ودقيقة عن السيد المسيح، فقد تنبأ عن تأسيس ملكوته "ملكوت السموات" وتكلم عن كونه ملك الملوك ورب الأرباب الآتى على سحاب السماء لتتعبد له كل الخليقة، ومنه أخذ لقب ابن الإنسان، اللقب الذى كان محبباً إلى قلب المخلص، كما حدد سنة مجيئه بتفصيل دقيق، وهو السفر الوحيد فى العهد القديم الذى تنبأ بنبوات تفصيلية دقيقة عن ملوك وممالك حدد بعضها بالاسم مثل الفرس واليونان الذين كانت أحوالهم أبعد ما تكون عما تنبأ به دانيال النبى، فقد كان الفرس وقت النبوة فى بداية ازدهارهم ومجدهم، فى حين أن اليونان لم يكن يبدوا عليهم، وقتها، ما يدل على تحقيق النبوة، وتنبأ عن الاسكندر الأكبر قبل مجيئه بأكثر من 225 سنة نبؤه أذهلت الاسكندر الأكبر نفسه وجعلته يخر ويجثوا على الأرض لله.

هذا السفر أيضا شهد له السيد المسيح وأشار إلى حتمية تحقيق نبوته عن دمار أورشليم ونهاية العالم، كما استخدم السيد نفسه صور السفر وتشبيهاته الأخروية والمسيانية. وتكلم السفر وتنبأ عن أمور أخروية كثيرة مثل صلب المسيح والضيقة السابقة للمجيء الثانى وقيامة الأبرار والدينونة. هذه المواضيع وغيرها أثارت النقاد والملحدين، فهاجمه بكل قسوة فيلسوف الأفلاطونية الجديدة الوثنى بروفيرى لأنه لم يكن يؤمن لا بالنبوات ولا بالوحى، وذلك فى القرن الثالث الميلادى، وجاء العقلانيون والماديون والليبراليون فى العصور الحديثة واتفقوا مع برفيرى فى آرائه لأنهم مثله لا يؤمنون بالوحى أو النبوات ومن ثم تبنوا آرائه وأفكاره وكرروها، وهاجموا السفر بكل قسوة ولكن الله الذى لو يترك نفسه بلا شاهد جعل الحجارة تصرخ وأقام البراهين والحجج والأدلة على صدق كل حرف وكل كلمة وكل نبؤه فى السفر. وكانت الشهادة الكبرى للسفر هى شهادة السيد المسيح نفسه الذى شهد للنبى ولصحة نبواته.

وفى هذا الكتاب نقدم دراسة استمرت حوالى عشرين سنة، ولم تكن هذه البداية، بل كانت البداية سنة 1963 حيث حصلت فى دراسة هذا السفر على أول جائزة دينية فى حياتى (فى سن الثانية عشرة من العمر) وكانت الأولى مشترك. وكان السفر رفيقى دائماً خاصة فى الأيام التى عشت فيها أيام كثيرة بعيداً عن الكنيسة التى أصلى فيها وبعيداً عن سكنى الدائم.

وقد ساعدنى الكثيرين من الأباء الأفاضل على دراسة هذا السفر وعلى رأسهم الأب الموقر والفاضل القمص تادرس يعقوب ملطى الذى قدم لى العديد من المراجع فى الخلوة المشتركة  سنة 1982، والتى وضعت المسودة الأولى لهذا الكتاب بعدها مباشرة.

ومنذ ذلك التاريخ وحتى اليوم حصلت على مراجع كثيرة وأبحاث ودراسات عديدة لسفر دانيال تعبر عن اتجاهات عقيدية مختلفة ومدارس تفسيرية متنوعة؛ تقليدية وليبرالية وتدبيرية وقد التزمنا فى هذه الدراسة بالخط الآبائى، التقليدى، الكتابى، المحافظ، الذى ينطلق من أقوال السيد المسيح وتلاميذه فى العهد الجديد عن سفر دانيال، ويمتد إلى تلاميذ الرسل ويستمر من خلال خلفائهم فى كل العصور "الإيمان المسلم مرة للقديسين"(يه3). ومن ثم رجعنا دائماً، وبقدر ما هو متاح، لما كتبه آباء الكنيسة فى القرون الأربعة الأولى، مع عمل مقارنة مع التفسير الليبرالى النقدى على أساس علمى؛ لغوى، كتابى، تاريخى، أثرى، والرجوع لأحدث ما توصل إليه علماء الآثار واللغات السامية القديمة وما كتبه كتاب التاريخ القدماء من أمثال هيرودوتس ويوسيفوس اليهودى وغيرهم.

ولا يفوتنى فى هذه المقدمة أن أتقدم بالشكر الدائم لقداسة البابا المعظم البابا شنوده الثالث الأستاذ والعالم على محبة وتشجيع قداسته الدائم، ولنيافة الأنبا مرقس، أبى الروحى، أسقف شبرا الخيمة وتوابعها، على تشجيع نيافته الدائم ومساعدته لى فى تقديم ما يلزم من مراجع للبحث والدراسة والنشر، كما أتقدم بالشكر أيضا لنيافة الأنبا متاؤس أسقف ورئيس دير السريان العامر على محبة وتشجيع نيافته، وللآباء المباركين بمكتبتى دير العذراء (السريان) ودير الأنبا بيشوى على تعب محبتهم فى تقديم العديد من المراجع القديمة التى أفادت كثيراً فى إخراج هذا الكتاب على هذه الصورة والذى أرجو من الله أن يأتى بالفائدة المرجوة بصلوات وطلبات قديسيه، الذى له المجد الدائم إلى الأبد آمين.

                                                                           القس

عبد المسيح بسيط أبو الخير   

عيد القيامة المجيد

 23 أبريل 1995م

15 برمودة 1711ش

 

 

مدخل السفر

تنبأ أرميا النبى أن الله سيعاقب بنى إسرائيل بسبب خطاياهم بالسبى إلى بابل مدة سبعين سنة "لذلك هكذا قال رب الجنود. من أجل أنكم لم تسمعوا لكلامى هأنذا أرسل فآخذ كل عشائر الشمال يقول الرب ... وتصير كل هذه الأرض خراباً ودهشاً وتخدم هذه الشعوب ملك بابل سبعين سنة(1)". وجاء نبوخذ نصر إلى أورشليم لينفذ ما قررته إرادة الله ومشيئته وحاصر أورشليم ثلاث مرات حتى دمرها وأحرق الهيكل.

 فى سنة 605 ق.م. أحتل المدينة وسمح للملك يهوياقيم أن يحكم باسمه وكتابع له وخاضع لسلطانه وأخذ بعض كنوز الهيكل وعددا من الفتية "من بنى إسرائيل ومن نسل الملك ومن الشرفاء"(ع3). وكان من ضمنهم دانيال ورفاقه الفتية الثلاثة(2).

 وفى سنة 597 ق.م. جاء نبوخذ نصر ثانية وأخذ بقية أوانى الهيكل وكنوزه ونقلهم إلى بابل وأخذ الملك يهوياقيم و 10.000 أمير وضابط ورجل شرطة وجميع الصناع والمهرة ولم يترك فى يهوذا إلا مساكين الشعب. وكان من جملة الذين أخذهم حزقيال الكاهن والنبى(3).

 وفى سنة 586 ق.م. جاء للمرة الثالثة ليعاقب صدقيا الملك على تمرده عليه، فحاصر المدينة ثم كسر الأسوار "وأحرق بيت الرب وبيت الملك وكل بيوت أورشليم وكل بيوت العظماء احرقها بالنار(4)"، وبعد أن أحرق المدينة بالكامل قتل أبناء صدقيا الملك وأخر ملوك يهوذا، وقلع عينى صدقيا نفسه وقاده إلى بابل مقيداً بالسلاسل والأغلال(5).

وكان دانيال النبى فتاً صغيراً عندما حملوه إلى بابل أسيرا. وكان من النسل الملكى(6) ومن سبط يهوذا(7) وتربى فى مدرسة الحكمة وقصر الملك ببابل وخدم بأمانة كرجل حكيم وكاشف أسرار ورجل دولة عظيم كانت له مكانته مع كل من ملوك بابل سواء ملوك بابل أو ملوك مادى وفارس. ولم يمنعه وضعه مع حكماء بابل أو كوزير أو والى لبابل أو رئيس وزراء من التمسك بعبادة الله الواحد وحفظ الشريعة مهما كلفه ذلك.

وكان دانيال النبى باراً ورجلاً من رجال الله الأتقياء ورجل صلاة وأُعلنت له رؤى ونبوءات وتعامل مع كثيرين من الملائكة الذى كان على رأسهم الملاك جبرائيل والذى ظهر للمرة الأولى باسمه فى سفر دانيال النبى. وبرغم أنه كان رجل دولة ولم يكن مكرس كنبى إلا أنه أوحى إليه كنبى ورأى رؤى وأحلام كنبى، وحمل رسالة من رسالات السماء فى اشد عصور شعب الله سواداً. من ثم فقد وصفه السيد المسيح بـ "دانيال النبى(8)".

وقد تنبأ عن أربع إمبراطوريات عالمية هى؛ بابل، ومادى وفارس، واليونان، والرومان، نبوات تفصيلية، كما تنبأ عن الصراع الذى دار بين ملوك مصر (الجنوب) وملوك سوريا (الشمال) فى الثلاثة قرون السابقة للميلاد، وجاءت نبؤاته دقيقة وتفصيلية حتى أنها تطابقت مع ما كتبه كتاب التاريخ المعاصرين واللاحقين من أمثال هيرودوتس وغيره من مؤرخى عصور ما قبل الميلاد. وهذا ما أذهل الملحدون والعقلانيون والنقاد اللذين لا يؤمنون لا بالوحى ولا بالنبوات ولا بعالم الأرواح وما وراء الطبيعة وجعلهم يهاجمون السفر بكل عنف وقسوة. كما تنبأ عن مجيء السيد المسيح وموته فداء وكفارة للخطايا.

وقد مدحته الملائكة ووصفته بـ "الرجل المحبوب" ومدحه معاصره حزقيال النبى الذى نقل إلى بابل فى حصار أورشليم الثانى سنة (597 ق.م.) كما مدحه كل الملوك الذين عمل معهم، فقال له نبوخذ نصر "أنى أعلم أن فيك روح الآلهة القدوسين ولا يعسر عليك سر(9)" وقال له بيلشاصر أخر ملوك بابل "قد سمعت عنك أن فيك روح الآلهة وأن فيك نيره وفطنه وحكمة فاضلة(*)"، وقيل عنه أيضا أنه "فيه روحاً فاضلة" و"كان أميناً ولم يوجد فيه خطأ ولا ذنب(10)". وأشار إليه الوحى فى سفر حزقيال كأحد الأبرار الثلاثة "نوح ودانيال وأيوب(11)" وباهى الله بحكمته ملك صور "هل أنت أحكم من دانيال سر ما لا يخفى عليك(12)".

وكان دانيال النبى مثل يوسف الصديق من جهة اشتهارهما بتفسير الأحلام وعيشتهما فى قصور ملوك مصر وبابل، كما كان كل منهما رئيس وزراء فى بلد غربته(13).

ويعتبر العلماء ورجال اللاهوت والتفسير سفر دانيال كرؤيا العهد القديم والجزء الأول لسفر الرؤيا فى العهد الجديد، كما يوضع السفر أيضا فى منتصف عصور المعجزات الخمسة فى الكتاب المقدس والتى تقسم كالآتى :

      1.            زمن موسى ويشوع.

      2.            زمن إيليا وإليشع.

      3.            زمن دانيال النبى.

      4.            زمن السيد المسيح.

      5.            زمن تلاميذ المسيح ورسله.

وكان دانيال النبى قد أُختير ضمن الفتيان الذين أختارهم رئيس خصيان الملك للالتحاق بما يمكن أن نسميه مدرسة الحكمة فى بابل ليتعلم فيها مدة ثلاث سنوات يقفوا بعدها فى قصر الملك. وفى هذه المدرسة تحول اسم دانيال والذى يعنى "الله قاضى" أو "الله ديانى" إلى "بلطشاصر" والذى يعنى "أميربل" من الإله "بل" أو "بعل". وبرغم أنه ورفاقه الثلاثة؛ حنانيا ومعناه "الله حنان" والذى تحول إلى "شدرخ" والذى يعنى "مضى بإله الشمس"، و"ميشائيل" ومعناه "من مثل الرب" والذي تحول إلى "ميشخ" والذى يعنى "من مثل آخ"، أى الإله آخ أو عشتر، و"عزريا" ومعناه "الرب معينى" والذى تحول إلى "عبدنغو" أى "عبدنابو" الإلهى نابوا، إله الحكمة والتعليم فى بابل، قد تحولت أسمائهم من أسماء مرتبطة باسم الله الواحد، إيل، ويهوه، إلى أسماء مرتبطة بأسماء آلهة وثنية، أصنام، إلا أنهم لم يخضعوا لا لديانات بابل ولا للأكل من اطياب الملك وخمر مشروبة. ولم يسجد الفتية للتمثال الذى نصبه الملك نبوخذ نصر ولم يخضع دانيال النبى لشريعة مادى وفارس على حساب شريعة الله، ولما ألقى الفتية فى آتون النار أنقذهم الله وكان معهم ولم تمس النار شعرة من رؤوسهم، ولما ألقى دانيال فى جُب الأسود أرسل الله ملاكه وسد أفواه الأسود. ولم يكسر دانيال ورفاقه أبداً شريعة بابل إلا عندما تعارضت فقط مع شريعة الله، وكان دانيال أشد ولاء أكثر إخلاصاً فى عمله فأحبه كل من عمل معهم من الملوك الذين جلسوا على عرش بابل، وخدم فى قصور بابل ما يقرب من سبعين سنة من بداية حكم نبوخذ نصر (605 ق.م.) إلى السنة الأولى لكورش (539 ق.م.).

 

الفصل الأول
إعلان الله فى الماضى
والحاضر والمستقبل(1)

جاءت كلمة إعلان فى العهد القديم من الكلمة العبرية "جالا ـ gala" وتعنى "يكشف"، "يستعلن"، "يعلن" يقول الكتاب بالروح :

"أن السيد الرب لا يصنع أمراً إلا وهو يكشف سره لعبيده الأنبياء(2)".

"لأن الرب أستعلن لصموئيل فى شيلوه بكلمة الرب(3)".

"فأعلن فى آذني رب الجنود(4)".

والإعلان الإلهى فى الأسفار المقدسة فى معظمه، هو إعلان الله، الله ذاته، إعلان من الله ذاته، إلى البشرية، إعلان الله إلى البشرية. يعلن فيه عن ذاته وإرادته كخالق الكون ومحركه ومدبره، فهو القوة العظمى الوحيدة فى الكون، وكل قوة أخرى نابعة منه. فهو كلى القدرة، القادر على كل شئ، وهو كلى الوجود، الدائم الوجود، الواجب الوجود، أصل وعلة كل وجود؛ الموجود فى كل زمان بلا بداية وبلا نهاية، الأزلى الأبدى، السرمدى، والموجود فى كل مكان دون أن يحده شئ، فهو غير المحدود، غير المحوى، الذى لا يحيط به شئ ولا يحويه شئ "أما أملأ أنا السموات والأرض يقول الرب(5)". وهو العالم بكل شئ، كلى العلم، الذى لا يخفى عليه شئ "كل شئ عريان ومكشوف لعينى ذلك الذى معه أمرنا(6)".

ومن ثم يتضمن الإعلان كشف الأسرار، المجهولة بالنسبة للإنسان، المحدود فى كل شئ، الأسرار التى يريد الله ذاته الإعلان عنها للبشرية : "حينئذ لدانيال كشف السر فى الليل. فبارك دانيال إله السموات. أجاب دانيال وقال ليكن اسم الله مباركاً من الأزل وإلى الأبد لأن له الحكمة والجبروت ... هو يكشف العمائق والأسرار. يعلم ما فى الظلمة وعنده يسكن النور(7)".

والإعلان الإلهى هو إعلان الله للبشرية عن ماضيها وحاضرها ومستقبلها. أنه إعلان الماضى السحيق قبل أن توجد الخليقة ويوجد الإنسان، وإعلان الحاضر المعاصر للإنسان، الحاضر الذى عاصر الإعلان الإلهى، وإعلان عن المستقبل الحالى أو القريب أو البعيد المتصل بالأمم فى تاريخ الفداء وحتى الأبدية. أنه إعلان الماضى الذى عاشته البشرية منذ فجرها وإعلان الحاضر المعاش وإعلان المستقبل الذى يقع خارج القدرات البشرية المحدودة والذى يتحدى به أشعياء النبى الأوثان التى عبدتها البشرية من دون الله "أعلمونا المستقبلات. أخبرونا بالآتيات فيما بعد فنعرف أنكم آلهة(8)".

والإعلان عن المستقبل الذى يركز عليه سفر دانيال، بصفة خاصة، كما بينا نابع من سلطان الله الكلى والمطلق على الكون باعتباره رب الكون ومدبره وخالقه، الإله الواحد، كلى القدرة والوجود والعلم؟ "أنا الأول والآخر ولا إله غيرى وضعت الشعب القديم والمستقبلات وما يأتى(9)". ومن ثم فقد أعلن لموسى أنه سيخرج بنى إسرائيل من مصر(10)، والذى سبق أن أعلن، أنبأ، عن مدة عبوديتهم فيها(11)، وأعلن للقاضى جدعون أنه سيجعل منه الواسطة لخلاصهم من المديانيين.

وتنبأ عن خلاص بنى إسرائيل من آشور(12)، ثم سبيهم إلى بابل بعد ذلك بحوالى 100 سنة وخلاصهم من بابل بعد ذلك بـ 70 سنة، وعودتهم ثانية إلى الأرض لفترة محدودة(13)، ثم تنبأ عن مجيء المسيح وتجسده وميلاده من عذراء وكونه الإله القدير وأعماله وصلبه وموته وقيامته، قبل حدوث ذلك بحوالى 700 سنة(14). كما تنبأ عن مصير شعوب كثيرة كمصر وبابل وعمون وموآب وصيدا الخ.

"المرسوم فى كتاب الحق"

المرسوم عند الله فى برنامجه للبشرية منذ الأزل

مما سبق يتضح لنا أنه بناء على علم الله بكل شئ، خاصة علمه السابق بما سيكون، وإعلانه للكثير عما هو كائن وما سيكون، أنه فى سابق علمه شاء فوضع للكون برنامج، خطة أزلية، تدبير أزلى، يسير الكون بمقتضى ما شاء وأراد وحدد ورسم ودبر، حسب قصد مشيئته وعلمه السابق. ويقول أشعياء النبى بالروح : "اذكروا الأوليات منذ القديم لأنى أنا الله وليس آخر الإله وليس مثلى. مخبر منذ البدء بالأخير ومنذ القديم بما لم يفعل قائلاً رأيى يقوم وأفعل كل مسرتى ... قد تكلمت فاجريه. قضيت فأفعله(15).

الله، فى علمه السابق، دبر كل شئ بحسب إرادته ومشيئته وعلمه السابق، لذا يقول الملاك لدانيال النبى وهو يعلن له ما سيحدث خلال سنين طويلة ممتدة فى التاريخ ومرتبطة بالأيام الأخيرة "ولكنى أخبرك بالمرسوم فى كتاب الحق(16)"، "والآن أخبرك بالحق(17)".

ويخبرنا سفر أشعياء النبى أن الله عندما كان يعلن بعض الأمور المستقبلية يقول لأشعياء النبى "تعلا الآن اكتب عندهم على لوح وارسمه فى سفر ليكون لزمن آت للأبد إلى الدهور(18)". دبر الله كل شئ بحسب قصده ومشيئته وعلمه السابق، فقد رسم حداً على وجه المياه(19)، ودائرة على وجه الغمر(20)، وأساساً للأرض الخ. كل شئ عنده مرسوم حسب قصده الأزلي، يقول القديس بولس الرسول بالروح "الله العارف القلوب شهد لهم معطياً الروح القدس ... معلومة عن الرب منذ الأزل جميع أعماله(22)".

وهذه الحقائق تظهر بوضوح فى الكتاب المقدس، ولكن على أربعة مراحل أو مفاهيم لاهوتية، هى علم الله السابق وتدبيره لكل شئ منذ الأزل، بناء على إرادته وعلمه السابق، أن تدبير الله الأزلى وقصده ومشيئته أمور خاصة بالذات الإلهية فقط، فهو صاحب السلطان المطلق فى الكون، ولكن الله يكشف عن بعض هذه الأمور لعبيده الأنبياء تفضلاً منه وحباً فى البشرية التى أحبها حتى المنتهى(21).

أولاً : تدبير الله الأزلى لكل شئ :

يقول الوحى الإلهى "معلومة عند الرب منذ الأزل جميع أعماله(22)"، كل شئ مدبره عنده منذ الأزل، قال التلاميذ عندما صلوا مسبحين الله على نجاة القديسين بطرس ويوحنا وخروجهما من السجن الذى وضعهما فيه رؤساء اليهود "لأنه بالحقيقة أجتمع على فتاك القدوس يسوع الذى مسحته هيرودس وبيلاطس البنطى مع أمم وشعوب إسرائيل ليفعلوا كل ما سبقت فعينت يدك ومشورتك أن يكون(23)". أى أن ما حدث ويحدث لهم ما هو إلا ما سبق الله أن دبره و"عينّه" حسب مشورته الأزلية. وقال القديس بولس بالروح لليونانيين الفلاسفة فى آريوس باغوس أن الله "أقام يوماً هو فيه مزمع أن يدين المسكونة بالعدل برجل قد عينه مقدماً للجميع(24)"، وقال لأهل كورنثوس أن يتكلم "بحكمة الله فى سر. الحكمة المكتومة التى سبق الله فعينها قبل الدهور لمجدنا(25)". وقال لأهل أفسس أن الله "سبق فعيننا للتبنى بيسوع المسيح لنفسه حسب مسرة مشيئته(26)".

ثانياً : أن هذا التدبير مبنى على مشيئة الله وقصده الأزلى :

يقول المرنم بالروح "أن إلهنا فى السماء. كلما شاء صنع(27)"، ويقول أيضا "كلما شاء الرب صنع فى السموات وفى الأرض وفى البحار..(28)". يقول السيد المسيح نفسه "طعامى أن أفعل مشيئة الذى أرسلنى(29)"، ويقول بولس الرسول بالروح عن سبق اختيار الله لاسحق ويعقوب "لأنه وهماً لم يولد بعد ولا فعلا خيراً أو شراً لكى يثبت قصد الله حسب الاختيار ليس من الأعمال بل من الذى يدعو. قيل لها (أى سارة) أن الكبير يستعبد للصغير. كما هو مكتوب أحببت يعقوب وأبغضت عيسو(30)"، ويقول لتلميذه تيموثاوس بالروح "الذى خلصنا ودعانا دعوة مقدسة لا بمقتضى أعمالنا بل بمقتضى القصد والنعمة التى أُعطيت لنا فى المسيح يسوع قبل الأزمنة الأزلية(31)".

ثالثاً : أن مشيئة الله وقصده الأزلى مرتبطين بعلمه السابق :

يقول الوحى الإلهى "لأن الذين سبق فعرفهم سبق فعينهم ليكونوا مشابهين صورة ابنه ليكون هو بكر بين أخوة كثيرين. والذين سبق فعينهم فهؤلاء دعاهم أيضا. والذين دعاهم فهؤلاء بررهم أيضا. والذين بررهم فهؤلاء مجدهم أيضا(32)". ويقول الله لأرميا "قبلما صورتك فى البطن عرفتك وقبلما خرجت من الرحم قدستك. جعلتك نبياً للشعوب(33)". من هذه الآيات يوضح لنا الوحى الإلهى أن الله بحسب علمه السابق، قد حدد، رسم، دبر ما سيكون فى مستقبل الأيام "ما يكون فى الأيام الخيرة(34)"، أو كما قال دانيال النبى للملك نبوخذ نصر "الله العظيم قد عرف الملك ما سيحدث بعد هذا(35)"، أو كما قال الملاك لدانيال النبى "جئت لأفهمك ما يصيب شعبك فى الأيام الأخيرة(36)".

لقد رسم الله ودبر برنامج أبدى، خطة أبدية للبشرية، وذلك بحسب مشيئته وقصده الأزلى وعلمه السابق، ونتيجة لذلك فكل ما يجرى فى الكون كله سواء فى العالم السماوى أو الأرضى، يجرى بحسب ما دبر الله ورسم وحدد منذ الأزل، سواء من جهة الخليقة كلها أو من جهة الإنسان ذاته أو من جهة الطبيعة وقوانينها ونواميسها، نجومها وأفلاكها وكواكبها ومجراتها. أو من جهة التاريخ الإنسانى فى علاقته بما سبق الله ورسم. والتاريخ بالدرجة الأولى والذى هو محور دراستنا فى سفر دانيال كما يصوره لنا الكتاب المقدس ككل "ابتداء من الإصحاح الأول فى سفر التكوين هو حركة خلق ونمو تبدأ من الله لتستقر فى الإنسان، ويظل الله يدبرها ويهيمن عليها بدقة بالغة حسب قصد ومشيئة معينة، بحيث تبدو حركة التاريخ سواء عبر حياة الإنسان الفرد أو عبر جيل أو شعب خاضعة خضوعاً كاملاً متقناً لمشيئة الله وعلمه السابق. فالله هو "ملك الدهور(37)" ... والله يتحكم فى حركة الزمان بالنسبة للإنسان تحكماً غاية فى الإحكام يبلغ إلى الحتمية "حتم بالأوقات المعينة وحدود مساكنهم(38)".

رابعاً : أن قصد الله الأزلى خاص به وحده :

هو سر لم يكشف عنه إلا لبعض الناس ذوى الصفات الخاصة فى العهد القديم والعهد الجديد، وإن كان قد كشف بوضوح أكثر فى العهد الجديد. وقد كشف ملامح من هذا القصد لأنبياء العهد القديم "السيد الرب لا يصنع أمراً إلا وهو يعلن سره لعبيده الأنبياء(39)". "سر الله لخائفيه(40)". من هؤلاء الأنبياء؛ أشعياء النبى وأرميا ودانيال وزكريا وغيرهم. أما فى العهد الجديد فقد كشف الله عن الكثير "سأفتح فمى بأمثال وأنطق بمكتومات منذ تأسيس العالم(41)"، ويقول القديس بولس الرسول بالروح "والقادر أن يثبتكم حسب إنجيلى والكرازة بيسوع المسيح حسب إعلان السر الذى كان مكتوماً فى الأزمنة الأزلية(42)"، "إذ سبق (الله) فعيننا للتبنى بيسوع المسيح لنفسه حسب مسرة مشيئته إذ عرفنا بسر مشيئته حسب مسرته التى قصدها فى نفسه. لتدبير ملء الأزمنة ليجمع كل شئ فى المسيح ما فى السموات وما على الأرض فى ذاك الذى فيه أيضا ذلنا نصيباً معينين سابقاً حسب قصد الذى يعمل كل شئ حسب رأى مشيئته(43)". ويقول أيضا "إن كنتم قد سمعتم بتدبير نعمة الله المعطاة لى لأجلكم. أنه بإعلان عرفنى بالسر سر المسيح. الذى فى أجيال أخر لم يعرف به بنو البشر كما أُعلن الآن لرسله القديسين وأنبيائه بالروح(44)".

رؤى دانيال وكشف المستقبل

تتابع الممالك العالمية وملكوت الله

تركزت نبؤات سفر دانيال كلها فى إبراز الدور التى ستلعبه الأمم العالمية، أو الإمبراطوريات العالمية الأربع السابقة على المجيء الأول للسيد المسيح والمعاصر له، ثم ملكوت الله الذى أسسه السيد المسيح، مملكة القديسين، ثم يتحدث عن النموذج المجسم لضد المسيح إلى أن يصل إلى ضد المسيح نفسه والمجيء الثانى والدينونة والأبدية السعيدة.

وقد صور الوحى الإلهى الممالك العالمية الأربع السابقة لمجيء المسيح(45) بتمثال عظيم "بهى جداً(46)"؛ "رأسه من ذهب