إنجيل برنابا هل هو إنجيلٌ صحيحٌ؟

( دراسة تحليليَّة لهذا الكتاب )

فهرس الكتاب

1

مقدمة

5

2

تمهيد : فقرات من مقدمة المترجم

7

3

الفصل الأول : كيف ظهر الكتاب للوجود ؟ وما هو رأي النقاد والعلماء فيه ؟

19

4

الفصل الثاني : إنجيل برنابا المزيف والمراجع اليهودية والمسيحية والإسلامية

32

5

الفصل الثالث : القديس إريناؤس وقانون البابا جلاسيوس وموقفهما من هذا الكتاب المزيف

38

6

الفصل الرابع : من هو القديس برنابا ؟

46

7

الفصل الخامس : الكاتب المزّيف هدفه وشخصيته وأسلوبه

54

8

الفصل السادس : من هو كاتب هذا الكتاب ؟ أين ومتى كتب ؟

68

9

الفصل السابع : إنجيل برنابا والأناجيل الأبوكريفية

75

10

الفصل الثامن : من هو المسيح في إنجيل برنابا ؟

97

11

الفصل التاسع : شخصية المسيح في إنجيل برنابا

103

12

الفصل العاشر : من هو المصلوب يهوذا أم يسوع ؟!!

113

13

الفصل الحادي عشر : الكاتب والأحوال السياسية والتاريخية والجغرافية والدينية في فلسطين أيام المسيح

125

14

الفصل الثاني عشر : الآخرة في إنجيل برنابا الدينونة ، الجنة ، السموات ، الجحيم ، المطهر

136

15

الفصل الثالث عشر : خرافة خلقة الإنسان وسقوط الشيطان

149

16

الفصل الرابع عشر : إنجيل برنابا المزيف والعهد القديم

159

17

الفصل الخامس عشر : أسلوب الكاتب وتشبيهاته

163

 

مقدمة

تُرجم الكتاب المسمَّي بإنجيل برنابا إلي اللغة الإنجليزيَّة سنة 1907م ثمَّ تُرْجِمَ إلي اللغة العربيَّة في السنة التالية مباشرة 1908م، وعلي إثر ذلك تُرجِمّ إلي اللغات الأرديَّة والإندونيسيَّة والفارسيَّة والتركيَّة، ثمَّ إلي الكثير من اللغات، خاصَّة بعد سنة 1975م. وقد أثار الكتاب منذ ظهوره في هذه الترجمات الكثير من الجدل بين مؤيِّدٍ له، ولكن غير مؤمن ومقتنع بما جاء فيه، باعتباره كتاب تحوم حوله الشكوك والشبهات، وبين رافضٍ له لوضوح زيفه وتزويره ولكثرة الأدلَّة الداخليَّة والخارجيَّة علي ذلك. ومع ذلك فالغالبيَّة الساحقة من العلماء والدارسين في المسيحيَّة والإسلام لم تلتفتْ إليه ولم تهتمّْ به بالمرَّة. ولم يكنْ كتاب كهذا، مليء بالخرافات والأفكار الخرافيَّة التي لا يمكن لعاقلٍ أنْ يقبلها، يحتاج منَّا إلي الوقت والجهد اللذان بُذلا في دراسته وإخراجه ليكون بين يديّ القارئ، ولكن نظرًا لتساؤل البعض حول حقيقته وحقيقة محتواه وسبب رفض الكنيسة له، اضطررنا لعمل هذه الدراسة لبيان حقيقته وحقيقة شخصيَّة كاتبه المزيَّف وحقيقة دوافعه وأهدافه. وقد اضطررنا لإيراد الكثير من نصوصه كاملة بقدر الإمكان وشرحها شرحًا تفصيليًا لكي تكون الصورة كاملة أمام القارئ حتي يتعرَّف بنفسه علي ما في الكتاب من أفكارٍ خرافيَّةٍ وعقائد مزيَّفةٍ، وحتي يري مدي ما فعله كاتب هذا الكتاب المزيّف والمزوّر بنصوص الكتب الدينيَّة خاصَّة الكتاب المقدَّس.

وقد قمنا بنشر الطبعة الأولي من هذا الدراسة سنة 1989م باسم " إنجيل برنابا هل هو الإنجيل الصحيح؟"، ولكن وبعد مرور حوالي 13 سنة وبعد صدور العديد من الكتب التي دافعت عن هذا الكتاب المزيَّف وكذلك التي بيَّنَت زيفه وتزويره، قمنا بعمل هذه الدراسة في صورةٍ جديدةٍ، منقحةٍ ومعدلةٍ ، باسم " إنجيل

ــــــــــــــــــــــ

- 6 -

برنابا هل هو إنجيلٌ صحيحٌ ؟ " تعتمد علي أحدث الدراسات النقديَّة التي تمَّت في هذه السنوات الأخيرة.

ونرجو من اللَّه القدير أنْ تكون هذه الدراسة قد أوفتْ بالغرض المطلوب بصلوات قداسة البابا المعظَّم البابا شنودة الثالث بابا وبطريرك الإسكندرية وسائر الكرازة المرقسيَّة، الذي يشجِّعْني دائمًا علي البحث والدراسة، ونيافة الأنبا مرقس، أبي الروحيّ، أسقف شبرا الخيمة وتوابعها، والذي قدَّم لي، في هذه الدراسة، الكثير من دوائر المعارف والمراجع العالميَّة التي ساعدت علي إخراج هذا الكتاب بالصورة التي تتلاءم مع طبيعة الكنيسة المسيحيَّة الأرثوذكسيَّة التي دافعت وتدافع وستظلّ تدافع عن الإيمان القويم في كلِّ العصور.

25 نوفمبر 2002م القس عبد المسيح بسيط أبو الخير

16 هاتور 1719ش

صوم الميلاد

ــــــــــــــــــــــ

- 7 -

تمهيد الفقرات الرئيسية (1)

من مقدمة المترجم

يقول الدكتور " خليل سعادة " مترجم هذا الكتاب المزيّف والمزوَّر المدعو زورًا بإنجيل برنابا إلي العربيَّة:

" أقدمت علي ترجمة هذا الكتاب المسمَّي بإنجيل برنابا وأنا شاعرٌ بخطورة المسئوليَّة التي ألقيتها علي عاتقي، وأني لم أقدِم عليها إلاَّ خدمةً للتاريخ، وغيرةً علي لغة هي أحقّ بنقله إليها من سواها وهي المرَّة الأولي التي برز فيها هذا الإنجيل في ثوبٍ عربيٍّ، وهو إنجيل تضاربت فيه آراء الباحثين وتشعَّبَت بخصوصه مذاهب المؤرِّخين وخبطوا فيه بين ضلالٍ وهدي وتلمَّسُوا حقيقته بين رشادٍ وهوي، واستنطقوا الآثار والأسفار واستفسروا الأعصار والأمصار، فما ظفروا بعد كلِّ ذلك بما يُشفي منهم عليلاً، ويُبرد لهم غليلاً.

1- النسخة الوحيدة في العالم (2) : والنسخة الوحيدة المعروفة الآن في العالم التي أنقل عنها هذا الإنجيل إنَّما هي نسخة إيطاليَّة في مكتبة بلاط " فيينا " (3) وهى تُعدَّ من أنفس الذخائر والآثار التاريخيَّة فيها، تقع في مائتين وخمس وعشرين صحيفة سميكة، مجلَّدة بصفحتين رقيقتين متينتين من الورق المقوَّي، يغطِّيهما جلدان لونهما أدكن ضارب إلي الصفرة النحاسيَّة، ويحيط بهما علي الحواف الأربع خطان مذهبان، وفي مركز الجلد نقشٌ بارزُ عطُل من التذهيب، تحيط به حافة مزدوجة من نقوش ذهبيَّة متباينة الأشكال، يسمِّيها الغربيُّون بالطراز العربيّ، ويستدلون من مجمل التجليد المنوه عنه أنَّه طراز شرقي.

2- نوع التجليد وتاريخه: إلاَّ أنَّ البعض يذهب إلي التجليد المذكور برمَّته قد يكون من صنع المُجلّدين الباريسيِّين اللذين استقدمها الدوق " دي سافوى " لتجليد النسخة المذكورة التي كانت ملكًا له علي ماسيجيء بيانه، فقد يكونان جلّداها تقليدًا للطراز العربيّ، وممَّا حملهم علي هذا الظن هو أنَّ المحفظة الخارجيَّة للنسخة المذكورة هي صنع المجلدين الباريسيِّين بلا مراء.

إلاَّ أنَّه يُقال - في جنب ما تقدم - أنَّ هناك نسخة صك في " البندقية " مجلَّدة بجلدٍ يُضارع جلد النسخة الإيطاليَّة لإنجيل برنابا من كلِّ وجه، وخصوصًا من حيث النقوش المشار إليها. والصكّ المذكور إنَّما هو نسخة دوليَّة باللغة الإيطاليَّة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وضعنا نحن هذه العناوين الجانبية، وليس المترجم لتسهيل المتابعة والمراجعة.

(2) وضعنا نحن هذه العناوين الجانبية ، وليس المترجم لتسهيل المتابعة والمراجعة.

(3) فيينا عاصمة النمسا ، وقد ظهرت أجزاء كبيرة من النسخة الأسبانية في السنوات الأخيرة في استراليا .

ــــــــــــــــــــــ

- 8 -

لمعاهدة عُقِدَت بين الدولة العَلِيَّة ( العثمانيَّة ) والبندقية ورد ذِكْرها في مراسلات يرجع عهدها إلي أصيل القرن السادس عشر، وجلد الصكّ المذكور في القسطنطينيَّة بلا مشاحة كما يُستدلّ علي ذلك من آثار كتابة باللغة التركيَّة الشائعة في ذلك الزمن تبدَّت من خلال مزق في الجلد المذكور.

3 – أصل ورق الكتاب وتاريخه: وزعم بعضهم أنَّ صحائف النسخة الإيطاليَّة هي من الورق المسمَّي بالتركيّ، إلا أنَّه ليس فيها شيء يؤيِّد هذا الزعم فإنَّ جميعها من الورق المعروف بالورق القطنيّ. وهي متينة النسيج خشنته، خلا صحيفتَين منها مصقولتَين، تختلفان في قوامهما ولونهما عن البقيَّة. وهنالك حُجَّة قويَّة تُفَنِّد مزاعم القائلين بالأصل التركيّ، وهي أنَّ الآثار المائيَّة في الورق، وهي التي تبدو لك متي استشففته، لم تشاهد في نوع من أنواع الورق الشرقيّ قط، وهي في الصحائف المنوَّه عنها علي شكل مرساة سفينة تحيط بها دائرة، وهي علامة مميَّزة لنوع الورق الإيطاليّ علي ما قال به بعض مشاهير الأخصائيِّين.

4- العثور علي النسخة الإيطاليَّة: وأوَّل من عثر علي النسخة الإيطالية ممن لم يعرف التاريخ أثرهم، ولم تدرس الأيام ذكرهم، هو " كريمر" - أحد مستشاريّ ملك بروسيّ - وكان مقيمًا وقتئذ في امستردام فأخذها سنة (1709م)، من مكتبة أحد مشاهير ووجهاء المدينة المذكور، ولم يزدْ علي تعريف صاحبها بغير هذه الألقاب المبهمة، إلاَّ أنَّه ذُكر في عرض الكلام عنه أنَّ الوجيه المذكور كان يحسب النسخة المنوَّه عنها ثمينة جدًا فأقرضها " كريمر تولند " ثمَّ أهداها بعد ذلك بأربع سنين إلي البرنس (الأمير) " ايويجين سافوي " الذي كان علي كثرة حروبه ومعاركه ووفرة مشاغله السياسيَّة، شديد الولع بالعلوم والآثار التاريخيَّة، ثمَّ اِنتقلت النسخة المذكور سنة 1738م مع سائر مكتبة البرنس (الأمير) المنوَّه عنه إلي مكتبة البلاط الملكيّ في " فيِّينا " حيث لا تزال هناك حتي الآن، علي ما مرَّ بك بيانه.

5- النسخة الأسبانيَّة: بيد أنَّه وُجِدَ في أوائل القرن الثامن عشر نسخة أخري أسبانيَّة تقع في مائتين واثنين وعشرين فصلاً وأربع مائة وعشرين صفحة، جرَّ الدهر عليها ذيل العفاء فطُمِسَت آثارها ودرست رسومها وكان قد أقرضها الدكتور " هلم " من " هدلي " (بلدة من أعمال همبشير) المستشرق الشهير " سايل "، ثم تناولها بعد "سايل " الدكتور " منكهوش " أحد أعضاء كليَّة الملكة في " اكسفورد " فنقلها إلي الإنجليزية، ثم دفع الترجمة مع الأصل سنة 1784م إلي الدكتور " هوايت " أحد مشاهير الأساتذة.

ولقد أشار الدكتور " هوايت " المنوَّه عنه في إحدي الخُطب التي كان يلقيها علي الطلبة إلي هذه النسخة، حيث استشهد ببعض الشذرات منها، ولقد طالعت هذه الشذرات وقابلتها بالترجمة الإنجليزيَّة المنقولة عن النسخة الإيطاليَّة الموجودة الآن في مكتبة بلاط " فيينا " فوجدت الأسبانيَّة ترجمة حرفيَّة عن تلك ولم أر بينهما فرقًا يستحق الذكر إلاَّ في أمرَين، فإنَّ النسخة الإيطاليَّة تقول : ( أنَّه لما جاء " يهوذا "

ــــــــــــــــــــــ

- 9 -

الخائن مع الجند الروماني ليسلم " يسوع " علي أيديهم كان " يسوع " يصلِّي في البستان بجانب الغرفة التي كان تلاميذه فيها نيامًا، فلمَّا أحسَّ بالجنود خاف فدخل فلمَّا رأى اللَّه الخطر المحدق به أرسل ملائكته الأربعة فاحتملوه في النافذة إلي السماء الثالثة، فلمَّا دخل يهوذا الخائن الغرفة غيَّر اللَّه بآية منظره وصوته، فصار نظير " يسوع " تمامًا، فلمَّا استيقظ التلاميذ ورأوه لم يشكُّوا في أنَّه هو " يسوع " ).

فالرواية الأسبانيَّة تنطبق حرفيًا علي الإيطاليَّة، إلا أنَّ الأولي تقول " إلاًَّ بطرس " أيّ أنَّها استثنت " بطرس " من عداد التلاميذ الذين لم يشكُّوا في أنَّ " يهوذا " هو " يسوع " ثمَّ ذكرت اسم أحد الملائكة الذين احتملوا " يسوع " من النافذة "عزرائيل "، وهو في الإيطاليَّة " أوريل ". وهناك بعض اختلافات أخري طفيفة اضربنا عن ذكرها .

6- خرافة الراهب فرامرينو: ويُؤخذ مما علَّقه " سايل " علي النسخة الأسبانيَّة أنَّه مسطور في صدرها أنَّها مترجمة عن الإيطاليَّة بقلم مسلم أورغاني يُسَمَّي " مصطفي العرندي "، وصدَّرها بمقدِّمة يقصُّ فيها مكتشف النسخة الإيطاليَّة - وهو راهب لاتيني يُسَمَّي "فرامرينو" - كيفيَّة عثوره عليها، ومن جملة ما قال بهذا الصدد أنَّه عثر علي رسائل "لارينايوس " وفي عدادها رسالة يُنَدِّد فيها بالقدِّيس " بولس " الرسول، وأنَّ " أرينايوس " أسند تنديده هذا إلي إنجيل القدِّيس " برنابا "، فأصبح من ذلك الحين الراهب مرينو - المشار إليه - شديد الشغف بالعثور علي هذا الإنجيل.

7- الراهب " المزعوم " والسرقة الخرافية المزعومة: واتفق أنَّه أصبح حينًا من الدهر مقرَّبًا من البابا " اسكتس الخامس "، فحدث يومًا أنَّهما دخلا معًا مكتبة البابا، فران السكري علي أجفان قداسته، فأحبَّ " مرينو " أنْ يقتل الوقت بالمطالعة إلي أنْ يفيق البابا، فكان الكتاب الأوَّل الذي وضع يده عليه هو هذا الإنجيل نفسه، فكاد أنْ يطير فرحًا من هذا الاكتشاف، فخبَّأ هذه الذخيرة الثمينة في أحد ردنيه، ولبث إلي أنْ استفاق البابا فاستأذنه بالانصراف حاملاً ذلك الكنز معه، فلمَّا خلا بنفسه، طالعه بشوقٍ عظيمٍ، فإعتنق علي أثر ذلك الدين الإسلاميّ.

هذه هي رواية الراهب " فرامرينو " علي ما هو مدوَّن في مقدِّمة النسخة الأسبانيَّة، كما رواها المستشرق " سايل "، في مقدِّمة له لترجمة القرآن، وهي مع ما تقدَّم الإلماع إليه من خُطب الأستاذ " هوايت "، المصدر الوحيد الذي لنا الآن بخصوص النسخة الأسبانيَّة التي لم أعثر علي كيفية فقدانها، سوي أنَّه عُهِدَ بترجمتها إلي الدكتور " منكهوش " فدفعها إلي الدكتور " هوايت " ثم طمس بعد ذلك خبرها وأمْحِيَ أثرها (4) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(4) وجدت نسخة لمخطوطة أسبانية في سبعينات القرن العشرين في مكتبة فيشر Fisher library بسيدنى باستراليا . أنظر الفصل الثاني من هذا الكتاب .

ــــــــــــــــــــــ

- 10 -

وهنا يعرض للبيب سؤال وهو :

هل النسخة الإيطالية الحاضرة هي التي اختلسها الراهب مرينو من مكتبة البابا اسكتس الخامس ؟ أم هي نسخة أخرى سواها ؟.

8 – متي كُتبت النسخة الأصليَّة ؟ ولا يمكن ترجيح ذلك إلاَّ بعد تعيين الزمن الذي كتبت فيه، وإذا تحرَّيت التاريخ وجدت أنَّ زمن البابا اسكتس الخامس - المذكور - نحو مغيب القرن السادس عشر، وقد علمت مما مر بك بيانه أنَّ نوع الورق التي سطرت عليه النسخة الإيطاليَّة إنما هو ورق إيطاليّ يمكن تعيين أصله من الآثار المائيِّة فيه، والتي يمكن إتِّخاذها دليلاً صادقًا علي تاريخ النسخة الإيطاليَّة، والتاريخ الذي يُخَمِّنه العلماء من كلِّ ما تقدَّم بيانه يتراوح بين منتصف القرن الخامس عشر والسادس عشر ، وعليه فمن الممكن أنْ تكون النسخة الإيطاليَّة هي عينها التي اختلسها " فرامرينو " من مكتبة البابا علي ما مرَّت الإشارة إليه.

9- جدال حول هذا الإنجيل المزيف: ولما شاع خبر إنجيل برنابا في فجر القرن الثامن عشر أحدث دوياً عظيماً في أندية الدين والعلم ولا سيَّما في إنجلترا، فكثر بشأنه الجدل، واحتدمت بين العلماء مناقشات كان بعضها أقرب إلي التخرُّصات والأوهام منه إلي المباحث العلميَّة، وأوَّل أمر توجَّهت إليه هِمَم الباحثين الخوض في أمر النسخة الإيطاليَّة وفيما إذا كانت منقولة عن نسخةٍ أخري أو هي النسخة الأصليَّة التي كانت عند الراهب " فرامرينو " وإدَّعي اختلاسها من مكتبة البابا " اسكتس الخامس "، ومن الغريب أنَّ العلماء لم ينتبهوا في حلِّ هذه القضية إلي ما رأوه مسطوراً علي هوامش النسخة من الألفاظ والجمل العربيَّة التي أثبتناها في هذه الترجمة أمانة في النقل، ولكي تكون مطابقة للأصل برمَّته من كلِّ وجهٍ، والحق يُقال أنَّ اللبيب يَحار في أمر هذه الشروح والهوامش العربيَّة في نسخة إيطاليَّة، ولابدَّ في هذا الموقف من ذِكْر ما عنّ لي بشأنها بشيءٍ من الأسباب لأنَّ كلّ الثقات الذين تؤخذ أقوالهم حُجَّة في الكلام علي النسخة الإيطاليَّة لم يُوفوا هذا الموضوع حقَّه بل لم يُلِمُّوا به أقلَّ إلمامٍ حتي أنَّ مستشرقًا كبيرًا كالأستاذ " مرجليوث " لم يذكرها إلاَّ علي سبيل العرض، ولم يقلْ بشأنها إلاَّ قولاً واحدًا وهو أنَّ " لاموتي ظنها صحيحة العبارة محكمة الوضع، لكن لم يخفِ أمرها علي العالم " دنس " الذي قال بسقم تركيبها ووفرة أغلاطها ".

10- هوامش الكتاب العربيَّة: وأنت إذا تفقَّدتَ هذه الهوامش وأعْمَلْت فيها الرويَّة وجدت بعضها صحيح العبارة مُحْكَم الوضع، لعب فيه قلم الناسخ كلّ ملعبٍ، من مسخ وتصحيف، والبعض الآخر سقيم التركيب من أصله لا تكاد تفقه لبعضه معني إلاَّ بكدِّ الذهن، ولا تفقه لبعضه الآخر معني بالمرَّة، وتجد أيضًا أنَّ ما كان ركيك العبارة سقيم التركيب قد جري فيه الكاتب علي الترجمة الحرفيَّة في أضيق معانيها وأسخفها، فوضع المضاف إليه قبل المضاف. وهو ما لا يفعله كاتبٌ عربيٌ تحت الشمس، وليس ذلك فقط في الهوامش التي هي ترجمة بعض فقرات

ــــــــــــــــــــــ

- 11 -

الإنجيل إلي العربيَّة، بل أيضًا في الهوامش التي هي من أوضاعه والتي لا مقابل لها بالإيطاليَّة.

000 من ذلك قوله سورة " عيسي ألم " أي سورة آلام " عيسي "، وقوله " ذكر إديرس قصص" أي ذكر قصة " إدريس " وقوله " متكبّر كاميل بيان " أي بيان شرّ أنواع الكبرياء، وقوله " من أي دين عنده ينبغي أنْ يصدق من الخبائس " إلي آخر ما هنالك من الطمطمانيَّات التي هي أقرب إلي العجمة منها إلي العربيَّة، فمن كان يحسن إجادة سبك العبارات علي ما تقدَّم إيضاحه من أمثله النوع الأوَّل لا يرتكب مثل هذه الأغلاط الفاضحة التي يستحيل علي عربيّ أو مستشرق ارتكابها.

فإذا تدبَّرت ما تقدَّم هان عليك أنْ تفقه أنَّ كاتب الهوامش العربيَّة أكثر من واحد، فكان واضعها الأصليّ صحيح العبارة فصيحها، فجاء بعده من نسخها ومسخها وبدَّل فيها ما شاء قصور مداركه في اللغة العربيَّة، فأفسد بنسخه كثيرًا مما وضعه الكاتب الأوَّل وزاد عليه من عنده ما تري من التعابير السخيفة والأساليب الركيكة، والطمطمانيَّات التي لا يستخرج منها معني بالمرَّة. والذي أرمي إلي الاستدلال عليه من هذا البيان أنَّ النسخة الإيطاليَّة التي هي الآن في مكتبة البلاط الملكي في " فيينا " إنما هي مأخوذة بلا مراء عن نسخة أخري وبالتالي لا يصحْ اعتبارها النسخة الأولي الأصليَّة .

11- هل هناك أصل للنسخة الإيطاليَّة؟ إذا كان الأمر كذلك، فما هو الأصل الذي أُخذت منه النسخة الإيطاليَّة؟ وهو سؤال صعب، ولكن لا يستحيل الإجابة عليه، فقد مرَّ بك من الكلام علي هوامش النسخة المشار إليها ما يصح الاستدلال به علي أنَّ النسخة التي نُقلت عنها ليست بعربيَّة لأنَّ من يُجيد العربيَّة إلي حدٍّ يتمكَّن معها من ترجمة هذا الإنجيل منها إلي لغة أخري لا يرتكب مثل هذه الأغلاط السخيفة التي تراها في الهوامش، ولا يقلب الكلام إلي حدِّ تقديم المضاف إليه علي المضاف، إلي غير ذلك من التعابير التي هي أدلّ علي أصل لاتينيّ أو إيطاليّ قديم، وهو استنتاج ينطبق علي ما قال به الثقات بعد التدقيق وإمعان النظر في نوع خط النسخة الإيطاليَّة الموجودة الآن في مكتبة بلاط " فيينا "، فقد توصَّلوا إلي الجزم بأنَّ ناسخها إنما هو من أهالي " البندقية " نسخها في القرن السادس عشر، أو أوائل السابع عشر، وأنَّه يُرجَّح أنَّه أخذها عن نسخة " توسكانيَّة "، أو عن نسخة بلغة " البندقيَّة " تطرَّقت إليها اصطلاحات " توسكانيَّة " ، وهي أقوال " لونسدال ولورا راغ " بعد أنْ أخذا في ذلك أراء أعظم الثقات الإيطاليِّين الذين يُؤخذ قولهم حُجَّة في هذه المباحث الأخصائيَّة.

12- الكاتب الأصليّ وعلاقته باللغة اللاتينيَّة واللغة الإيطاليَّة: ويذهب الكاتبان المذكوران إلي أنَّ النسخ حدث نحو سنة (1575م) وأنَّ من المحتمل أنْ يكون ناسخ هذا الإنجيل الراهب "فرامرينو " الذي ورد ذكره في مقدِّمة النسخة

ــــــــــــــــــــــ

- 12 -

الإيطالية علي ما جاءت الإشارة إليه ثم يقولون بعد ذلك ما ترجمته " وكيف كان الحال، فيمكننا الجزم بأنَّ كتاب " برنابا " الإيطاليّ إنما هو كتاب إنشائيّ، وسواء قام به كاهن أو علمانيّ أو راهب أو أحد العامَّة، فهو بقلم رجل له إلمام عجيب بالتوراة اللاتينيَّة يقرب من إلمام " دانت "، وأنَّه نظير " دانت " متضلِّع علي نوع خاصٍّ من " الزبور "، وهو صنع رجل معرفته للأسفار المسيحيَّة تفوق كثيرًا إطلاعه علي الكتب الدينيَّة الإسلاميَّة، فيُرَجَّح إذًا أنَّه مُرْتَدّ عن النصرانيَّة ".

13- بين الشاعر الإيطاليّ دانتي والكاتب المزيَّف للإنجيل المزعوم : والباعث علي المقارنة بين كاتب هذا الإنجيل والشاعر الشهير " دانت " ما في كلامهما من الملابسات وما في تعابير النسخة الإيطاليَّة من الشبه بمؤلفات " دانت " الشعريَّة التي يصف فيها الجحيم (5) والجنَّة، ففي هذا الإنجيل أنَّ هناك سبع دركات للجحيم، تختلف مراتبها باختلاف الخطايا الكبيرة السبع التي يُعذَّب البشر لأجلها، وأنَّه يُوجد تسع سموات تأتي في قمَّتها الجنَّة، فتكون العاشرة. فيستنتج بعضهم من ذلك أنَّ كاتب هذا الإنجيل إنما جاء بعد " دانت " وأخذ عنه هذه الشروح، أو أنَّه كان معاصرًا له. فذكر نظير " دانتي " ما كان شائعًا من الآراء في عصرهما، فيكون إذ ذاك " برنابا " هذا قد ظهر في القرن الرابع عشر ، إلاَّ أنَّ وصف الجحيم علي ما جاء به " برنابا " هذا لا ينطبق علي وصف " دانتي " أو غيره إلاَّ من حيث العدد، والرأي الأصيل أنْ يكون كلاهما قد أخذ عن مصدر آخر قديم لا يترتب معه أنْ يكون الكاتبان متعاصرَين، وذلك المصدر إنما هو " ميثولوجيا اليونان "، وقد يُعدّ ما بين الكاتبان من الشبه والتصوَّرات الشعريَّة والألفاظ الوضعيَّة من قبيل توارد الخواطر.

14- هل للكتاب اصل عربي؟ ولقد تبادر إلي ذهن العلماء بادئ ذي بدء أنَّ النسخة الإيطاليَّة مأخوذة من أصل عربيّ، وكان أوَّل من أشار إلي ذلك " كريمر " الذي مرَّ بك ذكره حيثُ صدّر النسخة الإيطاليَّة التي أهداها إلي " الدوق سافوي " ببضعة أسطر من عنده، يذكر أنَّ هذا الإنجيل " المحمديّ " مُترجم عن العربيَّة أو سواها، ثم تابعه في ذلك " لاموتي " حيث يقول "أراني البارون هو هندرف الذي يجمع بين شرف المحتد وسمو الآداب وسعة الاطلاع كتاباً يزعم الأتراك أنَّه للقدِّيس "برنابا "، والظاهر أنَّه منقول إلي الإيطاليَّة من العربيَّة "، ويريد بلفظ الأتراك جمهور المسلمين والعرب، علي ما يزال شائعًا من الاستعمال غير المدقق من كتاب الإفرنج لهذه اللفظة في عصرنا الحاضر .

ثم أنَّ الدكتور " هوايت " الذي مرَّ الإلماع إليه يقول في سنة 1784م " إنَّ الأصل العربيّ لا يزال موجوداً في الشرق "، ولكنَّك إذا أعملت البصيرة وجدت أنَّ كلام الدكتور" هوايت " مبنيّ علي كتابات المستشرق " سايل " التي نشرها قبل ذلك بنحو

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(5) في ملهاته الشعرية المسماة بالكوميديا الإلهية. أنظر الفصل الثالث عشر .

ــــــــــــــــــــــ

- 13 -

نصف قرن من الزمن وسمَّاها بالمباحث التمهيديَّة وفيها يقول في عرض الكلام عن القرآن " أنَّ عند المسلمين إنجيلاً عربيًا ينسبونه إلي القدِّيس " برنابا " وفيه يروي تاريخ " يسوع المسيح " علي أسلوب يباين كل المباينة الأناجيل الصحيحة 000 ولكنه يعترف بعد ذلك في عرض المقدِّمة التي له علي القرآن " أنِّي لم أرَ إنجيل برنابا عندما ألمعت إليه في المباحث التمهيديَّة ". فقوله السابق إذًا مبنيّ علي السماع وهو إنما تابع في ذلك " لاموتى " علي ما جاءت الإشارة إليه وقوله هذا أيضًا مبنيّ عليّ السماع لأنَّه لم يُعثرْ علي نسخة عربيَّة للإنجيل المذكور قط.

15- الكتاب والمؤرخون العرب: ثمَّ أنَّه لم يردْ ذكر لهذا الإنجيل في كتابات مشاهير الكتاب المسلمين سواء في الأعصر القديمة أو الحديثة حتي ولا مؤلَّفات من إنقطع منهم إلي الأبحاث والمحاولات الدينيَّة مع أنَّ إنجيل برنابا أمضي سلاح لهم في مثل تلك المناقشات وليس ذلك فقط 000 بل لم يردْ ذِكْر لهذا الإنجيل في فهارس الكتب العربيَّة القديمة عند الأعارب أو الأعاجم أو المستشرقين الذين وضعوا فهرساً لأندر الكتب العربيَّة القديمة والحديثة .

16- ميل المترجم لوجود أصل عربيّ لهذا الكتاب المزيَّف: بيد أنَّه لابدَّ لي من التصريح بعد كلّ ما تقدَّم بيانه أنَّي أشدّ ميلاً للاعتقاد بالأصل العربيْ مني بسواه إذْ لا يجوز إتّخاذ عدم العثور علي ذلك الأصل حُجَّة دامغة علي عدم وجوده ، وإلاَّ لوجب الاعتقاد بأنَّ النسخة الإيطاليَّة هي النسخة الأصليَّة لهذا الإنجيل، فإنَّه لم يَعْثُر أحدٌ قط علي نسخة أخري سوي النسخة الأسبانيَّة التي مرَّ بيانها، والتي ورد في مقدِّمتها أنَّها مترجمة عن نسخة إيطاليَّة، والمطالع الشرقيّ يري لأوَّل وهلة أنَّ لكاتب إنجيل برنابا إلمامًا بالقرآن حتي أنَّ كثيرًا من فقراته يكاد أنْ يكون ترجمة حرفيَّة أو معنويَّة لآياتٍ قرآنيَّةٍ. أقول هذا وأنا عالمٌ أنِّى في ذلك مُخالف لجلِّ كتَّاب الغرب الذين خاضوا عباب هذا الموضوع، وفي جملتهم " لونسدال " و " لورا راغ " اللذان يزعمان أنَّ إلمام كاتب هذا الإنجيل بالإسلام قليل، فكان هذا من جملة الأسباب التي حملتهما علي نفي القول بأصلِ عربيٍّ، ومن ذلك حديث " إبراهيم " مع أبيه، ومنه ما ينطبق علي سورة 21و 37، وكقوله عن سبب سقوط " إبليس " أنَّه أبي أنْ يسجد لآدم علي حدِّ ما جاء في سورة " البقرة "، وكذلك ما ورد في سورة الحجر، ولولا ضيق المقام لأوردت كثيراً من تلك الفقرات مع ما يقابلها من آيات القرآن، وليس ذلك فقط، بل أنَّ في إنجيل برنابا كثيرًا من الأقوال التي تنطبق على الأحاديث النبويَّة والأساطير العلميَّة التي لم يكنْ يعرفها حينئذ غير العرب، حتي أنَّك لا تكاد تجد في هذه الأيام - علي كثرة المستشرقين والمشتغلين باللغة العربيَّة وتاريخ الإسلام من الغربيِّين - من يُعدّ عالمًا بالحديث.

ومن جملة الأسباب التي تحدو بي إلي هذا الزعم أنَّ طراز تجليد النسخة الإيطاليَّة إنما هو طراز عربيّ بلا مراء، علي ما تقدَّم الإلمام إليه، والقول بأنَّه من صنع

ــــــــــــــــــــــ

- 14 -

الباريسيَّين اللذَّين استقدمها " الدوق دي سافوي " تقليدًا للطراز العربيّ، لا يتعدَّي الحدس والتخمين.

17- الكاتب من وجهه نظر المترجم: غير أنَّ القول بأنَّ هذا الإنجيل عربيّ الأصل لا يترتَّب عليه أنْ يكون كاتبه عربيّ الأصل، بل الذي أذهب إليه أنَّ الكاتب يهوديّ أندلسيّ إعتنق الدين الإسلاميّ بعد تنصّره وإطِّلاعه علي أناجيل النصار ي ، وعندي أنَّ هذا الحلّ هو أقرب إلي الصواب من غيره،لأنَّك إذا أعملت النظر في هذا الإنجيل وجدت لكاتبه إلمامًا عجيبًا بأسفار العهد القديم " التوارة " لا تكاد تجد له مثيلاً بين طوائف النصاري إلاَّ في أفراد قليلين من الأخصائيِّين الذين جعلوا حياتهم وقفاً علي الدين كالمفسِّرين، حتي أنَّه ليندر أنْ يكون بين هؤلاء أيضًا من له إلمام بالتوراة يقرب من إلمام كاتب إنجيل برناب