الكتاب المقدس يتحدى نقاده

والقائلين بتحريفه

 

المقدمة

  قال الرب يسوع المسيح " على هذه الصخرة أبني كنيستي وأبواب الجحيم لن تقوى عليها " (مت18:16) . وبالفعل قامت أبواب الجحيم ضد الكتاب المقدس وهاجمته بجميع الأسلحة والحيل عبر العصور وألقت بالشك من حوله ولكنها كانت تتحطم دائماً على هذه الصخرة ، صخرة الإيمان . كما وعد قائلاً " السماء والأرض تزولان ولكن كلامي لا يزول "(مت35:24) ، وأيضاً " لأني ساهر على كلمتي لأجريها " (ار12:1) . كما حذر " لا تزيدوا على الكلام الذي أنا أوصيكم به ولا تنقصوا منه لكي تحفظوا وصايا الرب " (تث16:22-18) ، " أن كان أحد يزيد على هذا يزيد الله عليه الضربات المكتوبة في هذا الكتاب وان كان أحد يحذف من أقوال كتاب هذه النبوة يحذف الله نصيبه من سفر الحياة " (رؤ19:22-20) .

  فقد تكاتف ضده كل الذين ينكرون وحيه ويرفضون سلامته من التحريف والتبديل مثل الوثنيين الذين يؤمنون بتعدد الآلهة والنقاد الماديين الذين لا يؤمنون بوجود الله ولا بكلامه أو وحيه ولا بالنبوّات أو المعجزات ، ومدارس اللاهوت التحررية التي تأثرت بآراء النقاد الملحدين ، والإخوة المسلمين الذين أنكروا وحيه لوجود خلافات جوهرية بينه وبين القرآن ، بل والعقيدة الإسلامية بصفة عامة .

  وفي هذا الكتاب نؤكد ، بالدليل العلمي الموثق ، حقيقة وصحة كل حرف وكل كلمة وكل جملة وكل فقرة وكل حدث وكل رواية في الكتاب المقدس مستعينين بمئات السجلات والمراجع والوثائق العلمية والتاريخية ، المدنية والدينية ، اليهودية والمسيحية والإسلامية والوثنية والنقدية ، وما توصل إليه علم الآثار من كشوف وحفريات ومخطوطات . وذلك إلى جانب شهادة القرآن والحديث والسيرة النبوية لصحة وسلامة أسفار الكتاب المقدس عبر تاريخه ، منذ أيام يشوع بن نون تلميذ موسى النبي ، وعزرا الكاهن والكاتب ، والرب يسوع المسيح ، الذي يؤكد القرآن أنه جاء مصدقا بالتوراة وأنها كانت بين يديه " وَمُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ " (آل عمران:50) ، ونبي المسلمين الذي يؤكد القرآن أنه جاء مصدقا بهما وأنهما كانا بين يديه وقد شهد لهما وأحتكم بأحكام التوراة قائلاً " وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ " (المائدة:43) ، وقال عن الإنجيل " وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإنجيل بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ " (المائدة:47) .

  ونرجو من الله القدير أن يستخدم هذا الكتاب لمجده وأن يكون سبب بركة لكل من يبحث عن الحق بعقله وفكره وقلبه وسبب هداية لكل من تشكك في كتابه المقدس ، كقول أيوب " قد أقام كلامك العاثر وثبت الركب المرتعشة " (أي4:4) ، وقول الرب يسوع المسيح " كلامك هو حق " (يو17:17) . 

  عيد الميلاد المجيد 7/1/2005م         القس عبد المسيح بسيط أبو الخير

    29/ كيهك /1721 ش      

- 5 -

مدخل للكتاب

نقد الكتاب المقدس

والتشكيك فيه والقول بتحريفه

1 ـ أسباب ظهور مدارس نقد الكتاب المقدس والتشكيك فيه :

  بدأت عملية نقد الكتاب المقدس ، وخاصة العهد القديم ، منذ القرون الأولى للمسيحية ولكنها كانت منصبة على آيات محددة في التوراة ، أسفار موسى الخمسة ، أما النقد بصورته المادية الشاملة فقد أتخذ شكلاً كثيفاً ابتداء من القرنين السابع عشر والثامن عشر الميلاديين . وقد أنصب معظم نقد علماء النقد الماديين على أسفار موسى الخمسة ، التوراة ، وركزوا عليها أكثر من بقية أسفار العهد القديم . وللأسف فقد تأثر معظم هؤلاء النقاد بالفلسفات المادية الجدلية الإلحادية التي لا تؤمن بوجود الله أو التي تقول أن الله لا يتدخل في التاريخ ، أو أن الطبيعة هي الله ، والتي سادت القرنين 17و18م واستمرت آثارها حتى الآن . واعتقد بعضها بأزلية المادة أو أن الإنسان والخليقة وجدا بالمصادفة ، ورفعت من قيمة الإنسان على حساب الله ووضعته موضع الإله في هذا العالم ، وزعمت أن الدين مسخر لخدمة الأغنياء على حساب الفقراء ، كما قال كارل ماركس " الدين أفيون الشعوب " ! ورفضت أي سلطة لله أو ما يسمى بإله لأن الله في نظر بعضها لا يتدخل في شئون الكون ، أو أن الله والطبيعة واحد " فالطبيعة هي الله ، والله هو الطبيعة " .

  ونتيجة لكل ذلك فقد رفضت الإعلان الإلهي والوحي والمعجزات والنبوات وما جاء في الكتاب المقدس وقالت أن ما جاء به ليس إلا أساطير قديمة أخترعها البشر من وحي خيالهم !! وفيما يلي أهم المذاهب والحركات والفلسفات التي أدت إلى نقد الكتاب المقدس :

(1) سيبنوزا ومذهب الحلولية أو وحدة الوجود :

   يقول مذهب الحلولية أو وحدة الوجود أن الله والكون واحد أو أن الله يحل في الكون ! ومن الذين قالوا بهذا المذهب الفيلسوف اليهودي باروخ سبينوزا (Baruch Spinoza) ، (1632- 1677م) الذي اعتبر الله والطبيعة أسمين لحقيقة واحدة(1) ، ووصف الله بأنه ليس خارج الطبيعة وليس وراءها بل الله والطبيعة واحد(2)!! ونظر إلى عقولنا البشرية الكثيرة على أنها جزء من العقل الإلهي ، وأنها تنمو كلما ازددنا اقتراباً من التوحد بالله ، أو التوحد بالعالم ، وهو ما يعني نفس الشيء(3)! ومن ثم رفض الإيمان بالمعجزات وقال " لا شيء ، إذاً ، يحدث في الطبيعة يتعارض مع نواميسها الكونية ، كلا ، فكل شيء يتفق معها ويتبعها 000 فهي تحفظ ترتيب ثابت وغير متغير " !! وفي الحقيقة " فالمعجزة التي تتعارض مع الطبيعة أو تكون فوقها هي محض عبس " !! وقال أيضاً " يجب أن نتأكد بصورة كاملة أن كل حدث مذكور في الكتاب المقدس قد حدث بالضرورة مثل أي حدث آخر بحسب نواميس الطبيعة "(4)!!

  وعلل المعجزات المذكورة في الكتاب المقدس  بتعليلات مادية فاعتبر انشقاق البحر لبني إسرائيل عند خروجهم من مصر مجرد رياح شرقية شقت لهم في البحر طريقاً وأن الأنبياء لجئوا لسرد قصص المعجزات والأمثال والحكايات التي تتناسب مع عقلية الشعب ، وأن للأنبياء والرسل تأثيراً كبيراً على الناس ، بالمقارنة بالفلاسفة والعلماء ، ويرجع هذا إلى الأسلوب البياني الساحر الذي أمتاز به أصحاب الديانات من الأنبياء والرسل بحكم طبيعة رسالتهم وشدة عواطفهم . ثم يقول أننا لو فسرنا التوراة على هذا الأساس لما وجدنا فيها شيئاً يتناقض مع العقل(5)!!

  ورفض روايات القيامة المذكورة في الأناجيل وقال عن المسيحية " لقد بشر الرسل الذين جاءوا بعد المسيح بآلام المسيح لكل البشر كدين للعالم كله " ولم يؤمن بالقيامة وبالتالي جعل المسيحية بلا أمل في الحياة الأبدية(6)!!

  وأنكر أن الأنبياء تكلموا بإعلان إلهي وأن الله قد أوحي إليهم وأعتبر ما كتبوه مثله مثل الرسائل التي كتبها الرسل والتي قال عنها " أن أسلوب التعبير والحديث الذي استخدمه الرسل في الرسائل يبين بوضوح أنها لم تكتب بإعلان أو بأمر إلهي ، ولكنها كتبت بأسلوب وحكمة كتابها "(7)!!

  وكتب كتاباً في السياسة والدين نقد فيه العهد القديم وكان هو أول من بدأ بكتابة ما عرف فيما بعد بالنقد العالي للكتاب المقدس ، خاصة العهد القديم(8). ودعي سبينوزا بـ " أب النقد الكتابي الحديث " .

(2) مذهب الربوبية(9)  Deism:

  الذي نادى بدين طبيعي يعتمد على العقل وينكر الوحي ويرفض تدخل الله في نواميس الكون ويركز على الأخلاق . وبرغم أنه يؤمن بالله كالسبب الأول في خلق الكون(10) لكنه يقول أن الله لم يتدخل بعد ذلك في أموره !! ويرفض الإعلان الإلهي والوحي والمعجزات والنبوّات ، وبالتالي الكتاب المقدس ، ويرفض الأديان عموماً خاصة التي تؤمن بالوحي الإلهي باعتباره كلام الله المنزّل من السماء !! وقد بدأ هذا المذهب في القرن السابع عشر في أمريكا كحركة حديثة نتيجة للاكتشافات العلمية ونجاح طرقها العلمية ، وقد وُصف في القرن الـ 18 بالدين الطبيعي ، في كتابات ما سمي بعصر الاستنارة . وقد ركز أصحاب هذا المذهب على العقل  والخبرات الشخصية بطريقة مبالغ فيها ، وحاولوا الإجابة على الأسئلة الدينية بعيدا عن الإعلان الإلهي واهتموا بما يكتشفه الإنسان بالعقل فقط . وهكذا لم يعد الدين ، بالنسبة لهم ، إلا مجموعة أخلاقيات وأن ما هو فوق الطبيعة يدرك بالعقل فقط !!

(3) الحركة الإنسانية Humanism :

  وخاصة الإنسانية الحديثة ، التي ترفض المعجزات وكل ما هو فوق الطبيعة وتركز بالدرجة الأولى على قيمة الإنسان وقدرته على تحقيق الذات عن طريق العقل والعلم والعاطفة الإنسانية(11). يقول UU Minister Kenneth Phifer  : " يعلمنا المذهب الإنساني أنه ليس من الأخلاق أن ننتظر من الله أن يعمل لنا . فيجب أن نعمل نحن لنوقف الحروب والجرائم والأعمال الوحشية في هذا العصر وعصور المستقبل فلدينا قوات مدركة ولدينا درجة عالية من الحرية في اختيار ما نفعله ، فالإنسانية تعلمنا أنه مهما كانت فلسفتنا عن الكون فالمسئولية المطلقة في هذا العالم الذي نعيش فيه تقع علينا "(12).

(4) الفلسفة التجريبية Empiricism :

  التي تعتقد أن المعرفة كلها مستمدة من التجربة والخبرة المحسوسة(13). وتقول أن نظرياتنا العلمية يجب أن تبنى على ملاحظاتنا للعالم وليس على الحدث

والإيمان(14). ومن أهم فلاسفة هذه المدرسة جون لوك(15)وجورج باركلي(16) ودافيد هيوم(17) الذي تبنى فكر سبينوزا المضاد لما هو فوق الطبيعة وبصفة خاصة ما يختص بالمعجزات وكان منطقه هو :

(1) المعرفة والمعتقدات مبنية على الخبرة ، فكلما كانت خبرتنا اعتيادية أو متماثلة ، كلما كانت معتقداتنا ومعرفتنا أكيدة .

(2) " وقد تأسست هذه النواميس التي للطبيعة على خبرة ثابتة وغير متغيرة " .

(3) " وعلى الرجل الحكيم أن يجعل إيمانه متناسب مع البرهان " .

(4) " ولذا فالبرهان ضد المعجزات " !!

(5) " المعجزة هي انتهاك لنواميس الطبيعة " .

(6) ومن ثم فعلى الحكيم أن لا يؤمن بالمعجزات(18).

(5) الفلسفة الوضعية Positivism :

  والتي أسسها أوجست كونت وتهتم بالظواهر والوقائع اليقينية الإيجابية فقط وترفض كل تفكير تجريدي في الأسباب المطلقة وتعتبر العلوم الطبيعية المصدر الوحيد للمعرفة الحقيقة(19). وهي تهتم بالإنسان وتضعه في مركز الكون ، وقد تحدت الدين واتخذت موقفاً عدائياً من الوحي الإلهي ، بدرجات متفاوتة ، وأنكرت الغيبيات والإلهيات ، ومن ثم تحول هؤلاء النقاد إلى هدامين للكتاب المقدس .

(6) عصر التنوير Enlightenment أو عصر العقل :

  بدأ هذا العصر في القرنين السابع عشر والثامن عشر ، في أوربا ، ليقدم ، حسب وجهة نظر رواده ، أخلاقيات وجماليات (فنون الجمال) ومعرفة مبنية على الاستنارة العقلية بعيداً عن الدين ، واعتبر قادة هذه الحركات أنفسهم كالنخبة الشجاعة للعقليات التي تقود العالم نحو التقدم والخروج من عصر اللاعقلانية ، التي تقوم على الحدس أو الغريزة أو الشعور أو الإيمان والخرافة والطغيان التي بدأت خلال فترة زمنية أسموها بالعصور المظلمة . يقول الفيلسوف الإنجليزي برتراند راسل (1873 -1970م)(20)، عن عصر التنوير " لقد كانت حركة التنوير مرتبطة بانتشار المعرفة العلمية . كان الناس في الماضي يسلمون بأمور كثيرة ارتكازا إلى سلطة أرسطو والكنيسة ، ولكن الآن أصبح الاتجاه الجديد هو الإقتداء بآراء العلماء . وكما أن البروتستانتية قد طرحت ، في الميدان الديني ، الفكرة القائلة أن كل شخص ينبغي أن يتصرف حسب تقديره هو ، فكذلك أصبح من واجب الناس الآن ، في الميدان العلمي أن يتطلعوا بأنفسهم ، بدلاً أن من يضعوا ثقتهم العمياء في أقوال أولئك الذين كانوا يدافعون عن النظريات البالية "(21) . وقد نتج عن هذا العصر الأفكار التالية :

(1) الفكر الطبيعي أو المذهب الطبيعي (Pantheism- وحدة الوجود)(22) الذي ينادي بأن الله والطبيعة واحد " الله هو الكل والكل هو الله " أو أن الكون - الطبيعة - والله مترادفان وأن كل فرد هو جزء من الكون أو الطبيعة وبالتالي هو جزء من الله ، ومن هذا المذهب خرجت فكرة أخرى (Panentheism)(23) تقول أن الله موجود داخل كل خليقة وأن الله هو القوة الحية وراء الكون ، وأن الكون هو جزء من الله الذي هو أعظم من الطبيعة وحدها .

(2) الفكر الأخلاقي الذي يركز على الأخلاق بعيدا عن الوحي ويتجاهل الدين تماماً

(3) الفكر الأسطوري الذي نادى بأن ما جاء في الكتب الدينية مجرد أساطير شعبية ابتكرها خيال الإنسان .

(4) الفكر التطوري الذي نادى به رجال التاريخ الطبيعي وأهمهم سبنسر وداروين الذين تصوروا ، خطأ بنظرة فلسفية مادية ، من خلال دراستهم للحفريات الخاصة بالإنسان البدائي والقبائل البدائية تطور فكرة وجود الروح في جميع الأجسام .

  وقد كتب في هذا العصر موسوعة أعدتها جماعة من الكتاب والعلماء بفرنسا من الذين أداروا ظهورهم لتعاليم الدين والفلاسفة المتافيزيقيين (الذين يبحثون فيما وراء الطبيعة) ورأوا في العلم وحده القوة الدافعة الجديدة في الميدان العقلي . وكان أبرز فلاسفة هذا العصر فولتير(24) وجان جاك روسو(25) بفرنسا ، وكانت(26) وفشته(27) وهيجل(28) في ألمانيا .

  وقد تأثر بفلسفة هيجل في التاريخ الألماني فيرديناند كريستيان باور Ferdinand Christian Bauer (1792 – 1860م) والذي أسس مدرسة توبنجن Tubingen الألمانية لتفسير العهد الجديد والتي كانت أكثر حركة مثيرة للجدل في القرن التاسع عشر . وقد زعمت هذه المدرسة أن الإنجيل للقديس يوحنا قد كتب في القرن الثاني الميلادي(29)!!

  وجاء الفيلسوف الألماني نيتشه ، عدو المسيح ، (1844 – 1900م) ، ونادى بالنظرية اليونانية القديمة التي تفضل الأقوى ، الأوفر صحة والأقوى شخصية ، على الضعيف والسادة على العبيد !! وكان يرى أن أخلاق السادة يرتبط فيها الخير بالاستقلال والكرم والاعتماد على النفس ، وما شابه ذلك ، أي جميع الفضائل التي يتصف بها الإنسان " ذو النفس الكبيرة " عند أرسطو . أما النقائص المقابلة فهي  الخضوع والوضاعة والتهيب وما إلى ذلك ، وهذه تمثل الشر . وهنا نجد التقابل

بين الخير والشر يعادل على وجه التقريب التضاد بين النبيل والحقير(30)!! 

  ونادى بالإنسان السوبرمان ونظرية البقاء للأصلح وكان يحتقر النساء ولا يثق في قدراتهن العقلية وكان يعتقد أن لكل فعل حسن مساوئ وانتهت حياته بالجنون وقال في أفول الأصنام " اليوم لا نمتلك من العلوم إلا بقدر ما نحن مستعدين لقبول شهادة الحواس ،- حيث نقويها ونستخدمها ، حيث تعلمنا أن نفكر حتّى أقصى إمكانياتنا . أما البقية فهي ما زالت تجهض تفكيرنا ، ما زالت ما قبل علمية : أعني الميتافيزيقا ، اللاهوت ، علم النفس ، أو نظرية المعرفة . أو أيضا العلم الشكلي ، نظرية العلامات : كعلم المنطق ، أو أيضا هذا المنطق التطبيقي، أقصد به الرياضيات . هنا الحقيقة لا تظهر أبدا ، ولا حتّى كمشكل؟ وقليلا ما يوجد فيها سؤال لمعرفة القيمة العامة لاصطلاح سيميولوجي كما نجد عليه المنطق(31).  

  وتصور أن وجود الله يكون على حساب الإنسان ومن ثم قال أن الإله مات !! وقال أن الآلهة مجرد رموز من خلق الشعراء و " أن الإله المسيحي مجرد افتراض ، ولكني أريدكم أن لا تفترضوا وراء حدود آلهتكم الخلاقة . هل تستطيعون أن تخلقوا إلهاً ؟ إذا فلا تحدثوني عن أي إله ، ولكنكم تستطيعون أن تخلقوا الإنسان الأعلى  000 إذا كان هناك آلهة فكيف أستطيع أن أتحمل ألا أكون إلهاً !"(32).

7 ـ نظرية التطور وأثارها الإلحادية المدمرة :

  نادت الفلسفات المادية القديمة التي أعتنقها فلاسفة اليونان والتي قالت بأزلية الكون والمادة بفكرة التطور قبل الميلاد بقرون ، وقال بها قبل دارون العالم الفرنسي لامارك (1744 - 1829) ، الذي كان أو من جعل من التطور مذهباً بارزاً ، وقال أن الكائنات الحية قد نقلت السمات التي اكتسبتها أثناء حياتها من جيل إلى جيل ، وبهذه الصورة تطورت هذه الكائنات . وعلى سبيل المثال فقد تطورت الزرافات من حيوانات شبيهة بالبقر الوحشي عن طريق إطالة أعناقها شيئا فشيئاً من جيل إلى جيل عندما كانت تحاول الوصول إلى الأغصان الأعلى فالأعلى لأكل أوراقها . ثم ليبل (1832م) الذي قال بالقدم السحيق للأرض والحياة(33).

  ثم جاء سبنسر (ولد 1820م) وقال بعدم تلاشي المادة أو فنائها وبقاء الطاقة ، واستمرار الحركة وثبات العلاقة بين القوى (المادة أزلية لا تستحدث ولا تفنى) ، وأن التاريخ الكلي لجميع الأشياء هو ظهورها من بدء مجهول غير مدرك ، واختفاؤها في مجهول غير مدرك ، وقال أن التطور هو " تجمع لأجزاء المادة يلازمه تشتيت أو تبديد للحركة ، تنتقل خلاله المادة من حالة التجانس المنقطع غير المحدود إلى حالة التباين المتلاصق المحدود " . كما قال أن الوحدة في الفرد أيضاً ستتحول إلى تمزق وتفسخ ، وينتهي ذلك التناسق وهو الحياة إلى تفشي الفساد وهو الموت ، وستتحول الأرض إلى مسرح من الفوضى والدمار والفساد وتنتهي إلى السديم والغبار الذي أتت منه . وبذلك تصبح دورة التطور والانحلال دورة تامة ، ولكن ستبدأ هذه الدورة من جديد مرة ثانية ، وثالثة إلى ما لا نهاية(34)

  وقال عن الدين أنه كان أول الأمر عبادة طائفة من الآلهة والأرواح ، المتشابهة قليلاً أو كثيراً في كل أمة . وتطور الدين إلى فكرة إله مركزي قوي قادر على كل شيء ، أتبع كل الآلهة له ونسق أعمالها وصلاحيتها . لقد أوحت الأحلام والأشباح على ما يحتمل إلى تصور أول الآلهة 000 لقد كان الله في أول الأمر في اعتقادهم شبحاً دائم الوجود ، وأن أقوياء الرجال في هذه الدنيا تنتقل قواهم ، وسلطانهم إلى أشباحهم التي تظهر بعد موتهم . وكان لابد من استرضاء هذه الأشباح واستعطافها . وتطورت طقوس الجنائز إلى عبادة ، وأخذت جميع مظاهر الاستعطاف التي تقدم للزعيم أو القائد على هذه الأرض تستخدم في الاحتفالات والصلوات والتزلف والتقرب إلى الآلهة . وبدأ تقديم الهدايا إلى الآلهة 00الخ(35).

  ثم نشر تشارلز داروين سنة 1859م كتابه " أصل الأنواع " ، وناقش فيه نظريته في النشوء والارتقاء منطلقاً من مقدمة منطقية أساسية هي : " يعتمد تطور الكائنات الحية على الصراع من أجل البقاء . ويفوز القوي في الصراع ، في حين يُحكم على الضعيف بالهزيمة والنسيان " . ويقول أنه يوجد صراع قاس من أجل البقاء ونزاع أبدي في الطبيعة يتغلب فيه القوي على الضعيف دائماً ، وهذا ما يؤدي إلى حدوث التطور ولذا فقد سمى كتابه " أصل الأنواع بواسطة الانتقاء الطبيعي أو الحفاظ على الأجناس المفضلة في الصراع من أجل البقاء " ! ويكرر في كتابه عبارات " ؛ " الانتقاء الطبيعي " و " الصراع من أجل البقاء بين الأجناس " و " التزاوج المختار " 000 الخ . وأعتبر أن أصل الحياة ظهر في صورة هلامية  تسمى بالجبلة أو البروتوبلازم ونواة وهي ما يسميه علماء الأحياء بالخلية ، وكل الأحياء تتكون من خلية واحدة أو خلايا متعددة . وقد تطورت هذه الخلية ومرت بمراحل منها مرحلة القرد ، انتهاء بالإنسان(36)!!

  وقال دارون ودعاة التطور إن للبشر والقردة الحديثة أسلافاً مشتركة ، وقد تطورت هذه الكائنات بمرور الزمن فصار بعضها قردة اليوم ، في حين أصبحت مجموعة أخرى ، اتبعت فرعاً آخر من فروع التطور ، إنسان اليوم !! أي أن الإنسان العصري قد تطور من أحد أنواع المخلوقات الشبيهة بالقردة ! ويقولون أنه أثناء عملية التطور المزعومة هذه ، والتي يفترض أنها قد بدأت منذ حوالي أربعة إلى خمسة ملايين سنة ، وجدت بعض الأشكال الانتقالية بين الإنسان العصري وأسلافه ، ووفقاً لهذا السيناريو الخيالي وضع دعاة التطور قائمة بأربع فئات أساسية هي : (1) القرد الجنوبي ، (2) الإنسان القادر على استخدام الأدوات ، (3) الإنسان منتصب القامة ، (4) الإنسان العاقل . وأطلقوا على ما يزعمون أنه الأسلاف الأولى لكل من الإنسان والقرد اسم القرد الأفريقي الجنوبي(37)!!

  كما زعموا أن الحياة قد بدأت بخلية تكونت بمحض الصدفة ! وقالوا أنه منذ أربعة بلايين سنة خضعت أعداد متنوعة من المركبات الكيميائية التي لا حياة فيها إلى تفاعل حدث في جو الأرض البدائي ، وفيه حثت الصواعق والضغط هذه

المركبات على تكوين أول خلية حية(38)!!  

  وتفترض النظرية أن كل مرحلة من مراحل التطور أعقبت التي قبلها بطريقة حتمية ، أي العوامل الخارجية هي التي تحدد نوعية هذه المرحلة ، أما خط سيرها ذاته بمراحله جميعها فهو خط مضطرب لا يسعى إلى غاية مرسومة أو هدف بعيد لأن الطبيعة التي أوجدته غير عاقلة ولا واعية وتتخبط بشكل عشوائي !!

  وهكذا نسف تفسير داروين الطبيعي الغاية من وجود الله ومعه فكرة الخلق ، إذ جعل هذا التفسير الإنسان مماثلاً تماماً للحيوانات ، وخلق تياراً فكريا مادياً وتفاقم الصراع بين العلم والدين ، وكما يقول برتراند راسل " لقد سدد مذهب داروين إلى علم اللاهوت ضربة قاسية تماماً كما فعل كوبرنيكوس في عالم الفلك ، فالداروينية لم تجعل فحسب من الضروري التخلي عن الاعتقاد بثبات الأنواع والتخلي عن فكرة آتيان الله بأعمال الخلق المنفصلة التي يبدو أن سفر التكوين في الكتاب المقدس يؤيدها . بل أنها جعلت من الضروري أن نفترض انقضاء حقب سحيقة منذ بداية الحياة . الأمر الذي صدم مشاعر المؤمنين بالأرثوذكسية الدينية "(39). وقال الأمريكي وليم درابر " إذا افترضنا عدم وجود جنة عدن وأيام ستة تم فيها خلق الكون ، فهذا يعني أن العقيدة الدينية كلها كانت مجرد بنية زائفة "(40).

  وطبق داروين هذه النظرية على الدين وقال أن الدين نِشأ أولاً على الإيمان بقوى روحية غير مرئية ثم الإيمان بقوى سحرية ثم أنتقل إلى الوثنية أو تعدد الآلهة حتى وصل إلى غايته في التوحيد !! ورفض ما جاء في العهد القديم مثل برج بابل وظهور قوس قزح بعد الطوفان 00 الخ وباختصار فقد قال أن " كل شيء في الطبيعة هو نتيجة للنواميس الثابتة "(41).

  وكان ظهور هذه النظرية سبباً في ترك الأديان وانتشار الإلحاد وعبادة الطبيعة وإنكار الكتب الدينية والوحي والأنبياء عموماً ونفي وجود الله ووجود آدم وحواء 00 الخ ونتج عن هذه النظرية سيطرة الأفكار المادية على عقول المفكرين ومناداتهم بخضوع الإنسان للمادة وعبادة الطبيعة التي قال عنها داروين " الطبيعة تخلق كل شيء ولا حد لقدرتها على الخلق "!!

õ وجعل الكنيسة الكاثوليكية ، كما يقول جيمس بيرك في كتابه عندما تغير العالم ، تتجه لتبني أفكار التطور الدارينية " وتحركت الكنيسة الكاثوليكية أسرع من أي كنيسة أخرى ، وكانت قد سمحت للكاثوليك بمناقشة التطور بعد صدور كتاب  بيوس الثاني عشر في عام 1951م بعنوان الجنس الإنساني "(42).

õ وكانت وراء نظرية فرويد (1856 – 1939م) في التحليل النفسي والذي فسر الدين تفسيراُ جنسيا حيث يق