هل صُلب المسيح حقيقة ؟
أم شبه لهم ؟
فهرس
الكتاب
|
|
5 | |
|
7 | ||
|
30 | ||
|
46 | ||
|
56 | ||
|
68 | ||
|
83 | ||
|
93 | ||
|
102 | ||
|
118 | ||
|
132 | ||
|
158 |
- 5
-
آمن المسيحيون
عبر كل تاريخهم وعصورهم، بناء علي ما سبق أنْ تنبّأ به آباء وأنبياء العهد القديم،
من إبراهيم إلي موسي وجميع الأنبياء وكتاب المزامير الموحي إليهم بالروح القدس، وما
دوّنه العهد الجديد تفصيليًا عن المحاكمة والصلب والقيامة وكرازة تلاميذ المسيح
ورسله للعالم أجمع بالمسيح المصلوب، وما سجّله خلفاء التلاميذ والرسل، تلاميذهم
الذين تعلموا علي أيديهم وتسلموا منهم الإنجيل، سواء المكتوب، العهد الجديد، أو
الشفوي. وذلك إلي جانب ما سجله المؤرخون والفلاسفة الرومانيون واليونانيون
والربّيون اليهود المعاصرون للحدث.
ولم يشك أحد
من المسيحيين أو غيرهم في حقيقة صلب المسيح ولا في إمكانية وحقيقة قتل الأنبياء
والعظماء عبر تاريخ العالم وفي سجلات الكتاب المقدس وبقية كتب اليهود وغيرهم وذلك
بطرق اإعدام والقتل المختلفة حسب أسلوب وعقيدة كل زمن وكل عصر وكل دولة. ولم يقل
أحد بأنّ المسيح لم يُصلب قبل ظهور النظرية القائلة بإلقاء شبه المسيح علي آخر فصلب
بدلاً منه التي فسّروا بها النصّ القرآني: " وَمَا
قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ
فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ
وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا بَل رَّفَعَهُ اللّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزًا
حَكِيمًا "
(
سورة النساء
157و158).
ونظرًا لأنّ
هذا النصّ لا يُعطي أي تفصيلات عن أحداث الصلب فقد جمع المفسّرون القدماء عشرات
الروايات الخرافية التي نقلوها عن جهلاء أهل الكتاب ممن امتلأت افكارهم بالفكر
الخيالي الخرافي الذي كان عالقًا في فكر بعض العامة والبسطاء خاصّة الذين كانوا
يعيشون في المناطق النائية والمتطرّفة والبوادي والصحاري لبعدهم عن المراكز
الرئيسية للكنيسة الأم، كما يقول ابن خلدون.
ــــــــــ
- 6
-
وبعد أنْ
تبيّن أنّ هذه الروايات غير منطقية وخرافية خرج علينا بعض الكتاب المعاصرين بنظريات
وآراء خاصة بهم وحدهم، بل كل واحدة منها تخصّ كاتبها فقط، فقد أنتجها بوحي خياله
بدون أي سند من كتاب موحي به أو واقع أو تأريخ أو منطق سوي محاولة إثبات عدم صلب
المسيح وعدم قيامته!! بل والعجب أنّه لم يتفق أثنين منهم علي رواية
واحدة!!!
وليس هذا فقط
بل راحوا يشككون في الكتاب المقدس وبصفة خاصة الروايات الخاصة بأحداث الصلب
والنبوّات التي تنبأت عن صلب المسيح محاولين بذلك إثبات عدم صلب المسيح من الكتاب
المقدس نفسه!!
بينما رأي بعض
الكتاب أنّ المسيح صلب فعلاً وإنما قول القرآن هذا جاء من باب مجادلة اليهود
والمقصود بها التنقيص من شأنهم. وقال بعض آخر بصلب المسيح كما جاء في الأناجيل،
سواء عن طريق النقل من الإنجيل بأوجهه الأربعة دون تعليق. كما قال آخرون بصلب
المسيح فعلاً ولكن بعدم موته علي الصليب!!!
وهذا الكتاب
هو عرض لهذه النظرية والافتراضات والأفكار التي خرجت من بنات أفكار مؤلفيها
والتعليق عليها مقدمين الأدلة والبراهين علي صحة إيماننا من الإنجيل والتاريخ
والتقليد والواقع مع استخدام العقل والمنطق في كل
جملة.
ونرجو من الله
أن نكون قد وفقنا في ذلك. بصلوات قداسة البابا المعظّم البابا شنودة الثالث الأستاذ
والمعلم، وأبي الروحي نيافة الحبر الجليل الأنبا مرقس أسقف شبرا الخيمة
وتوابعها.
القس عبد
المسيح البسيط أبو الخير
عيد القيامة
المجيد
11 إبريل
2004ميلادية.
3 برمودة
1720 شهداء.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
- 7
-
آمن المسيحيون
عبر كل تاريخهم وعصورهم، بناء علي ما سبق أنْ تنبّأ به آباء وأنبياء العهد القديم،
من إبراهيم إلي موسي وجميع الأنبياء وكتاب المزامير الموحي إليهم بالروح القدس، وما
دوّنه العهد الجديد تفصيليًا عن المحاكمة والصلب والقيامة وكرازة تلاميذ المسيح
ورسله للعالم أجمع بالمسيح المصلوب، وما سجّله خلفاء التلاميذ والرسل، تلاميذهم
الذين تعلموا علي أيديهم وتسلموا منهم الإنجيل، سواء المكتوب، العهد الجديد، أو
الشفوي " فمًا
لفم "
(2يوحنا3/12و14).
وذلك إلي جانب
ما سجله المؤرخون والفلاسفة الرومانيون واليونانيون والربّيون اليهود المعاصرون
للحدث.
ولم يشك أحد
من المسيحيين أو غيرهم في حقيقة صلب المسيح ولا في إمكانية وحقيقة قتل الأنبياء
والعظماء عبر تاريخ العالم وفي سجلات الكتاب المقدس وبقية كتب اليهود وغيرهم وذلك
بطرق اإعدام والقتل المختلفة حسب أسلوب وعقيدة كل زمن وكل عصر وكل
دولة.
ولم يقل أحد
بأنّ المسيح لم يُصلب أو يُقتل قبل مجيئ الإسلام كما لم يقل أحد بذلك غير الإخوة
المسلمين وذلك بناء علي تفسيرهم لما جاء في القرآن في معرض توبيخه لليهود وحديثه عن
كفرهم في قوله: " وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ
مَرْيَمَ رَسُولَ اللّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ
وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ
عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا. بَل رَّفَعَهُ اللّهُ
إِلَيْهِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا " (
سورة النساء
157و158).
ــــــــــ
- 8
-
1- آية وحيدة
ونصّ غير واضح:
آمن
المسيحيون، كما قلنا، منذ البدء بصلب المسيح، وشرح كتاب الإنجيل بأوجهه الأربعة
وبقية أسفار العهد الجديد حادثة الصلب تفصيليًا، بل كانت قصة الصلب هي أول من كرًز
به تلاميذ المسيح ورسله وقدّموه للعالم أجمع وأوّل ما كُتب في الإنجيل، كما سبق أنْ
تنبّأ عنه أنبياء العهد القديم تفصيليًا، وعرف ذلك العالم عنهم ولم يقل أحد بعدم
صلب المسيح حتّي جاء نص الآية القرآنية المذكور. وبعد انتشار المسيحية بأكثر من 600
سنه. وهذه الآية غير واضحة ولنا عليها عدة تساؤلات:
(1) فهي تقول:
" وَقَوْلِهِمْ
إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللّهِ
"!! ولو
افترضنا أنّ اليهود آمنوا فعلاً بأنّ المسيح هو رسول الله لما فكروا في قتله وصلبه
بل لكانوا قد آمنوا به مثل بقية من آمن به منهم وصاروا
مسيحيين(1)!!
(2) كما تقول
" وَإِنَّ
الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ
إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ "!!! ولم يشك أحد لا من اليهود ولا من
المسيحيين ولا من الرومان أو غيرهم في حقيقة أنّ الذي كان مصلوبًا ومعلقًا علي
الصليب هو المسيح، ولا في
ـــــــــــــــــــــــــ
(1) ويري البعض أنّ الآية
تتكلم بأسلوب العبرة وليس بأسلوب التاريخ والتأريخ، فيقول أ. محمد أحمد خلف الله "
وبان للعقل الإسلامي أن وصف عيسي عليه السلام بأنّه رسول الله في قول اليهود الذي
حكاه عنهم القرآن في قوله تعالي ( وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى
ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللّهِ )، لا يمكن أنْ يُفهم علي أنّه قد صدر حقًا من اليهود فهم لم
ينطقوا بهذا الوصف وإنما القرآن هو الذي أنطقهم به. ذلك لأنّ وصفه بالرسالة ليس إلا
التسليم بأنّه رسول الله وهم لم يسلموا بهذا، ولو سلموا بهذا لأصبحوا مسيحيين، ولما
كان بينهم وبينه أي لون من ألوان العداء، ولما كان قتل وصلب، إنّ اليهود إنما
يتهمون عيسي بالكذب، ويُنكرون عليه أنّه رسول الله، ويذكرونه بالشرّ، ويقولون إنّه
ابن زنا وأنّ أمّه زانية. يقول اليهود كل هذا وأكثر منه، ومن هنا لم يستطع العقل الإسلامي
أن يُسلم بأنّ وصف عيسي بأنّه رسول الله قد صدر حقًا من
اليهود"
القصص القرآني مع شرح وتعليق خليل عبد الكريم
(ص66و67).
ــــــــــ
- 9
-
حقيقة موته
علي الصليب أو دفنه في القبر، ولم يقل أحد بشيء مثل ذلك في أى كتاب من كتب
المسيحيين أو اليهود أو الرومان أو غيرهم!!!
(3) وعبارة
" وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ " لا تقول صراحة إن كان المقصود هو لإلقاء شبه المسيح علي آخر
كما يقول أصحاب نظرية الشبه أم أنها تقصد شيئ آخر. يقول كل من الإمام الفخر الرازي
في تفسيره، وابن كثير في كشافه: " شُبِّهَ " مسند إلي ماذا؟ إنْ جعلته إلي المسيح فهو مشبّه به وليس
بمشبّه، وإنْ أسندته إلي المقتول، فالمقتول لم يجرَ له ذكر؟
"(
التفسير الكبير ج 3، ص35؛ والكشاف ج1، ص
580).
(4) إنّ كل
الضمائر الموجودة بالآية والخاصّة بالمصلوب تعود جميعها علي المسيح وليس علي آخر
يُمكن أنْ يُفترض أنّه المقصود!!!
(5) ولم تقل
من هو المصلوب صراحة؟ سواء كان المسيح أو غيره؟.
(6) ولا من هو
الذي ألقي عليه الشبه، إنْ كان هناك من ألقي الشبه
عليه؟.
(7) ولا من هو
المُشبّه؟.
(8) ولا من هو
المُشبّه به؟.
(9) ولا كيف
نجا إنْ لم يُصلب؟.
(10) ولا كيف
تمّ ذلك؟.
(11) ولا متي
تمّ ذلك؟.
(12) ولا تقول
لنا أي تفاصيل توضّح المعني المقصود في الآية؟.
(13) ولا يوجد
في القرآن آية غيرها توضّح ما جاء بها؟ بل علي العكس توجد ست آيات قرآنية تتكلّم عن
موت المسيح ووفاته قبل رفعه وتلمّح لقتله، وهي:
ــــــــــ
- 10
-
1و2- فقد قيل
عن لسان المسيح " وَالسَّلامُ
عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ
أَمُوتُ
وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا "
(
مريم 33). وهذا نفس
ما قيل عن يوحنا المعمدان، يحيي بن زكريا " وَسَلامٌ
عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ
يَمُوتُ
وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا "
( مريم
15).
والمعروف في المسيحية والإسلام أنّ يوحنا المعمدان أو يحيي بن زكريا مات قتيلاً علي
يد هيرودس الملك
(2).
3- "
وَلَقَدْ
آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ
بِالرُّسُلِ
وَآتَيْنَا
عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ
الْقُدُسِ
أَ فَكُلَّمَا
جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنفُسُكُمْ
اسْتَكْبَرْتُمْ
فَفَرِيقًا
كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا
تَقْتُلُون "
(البقرة87) . والآية
هنا تؤكد على
تكذيب اليهود
لفريق من الرسل وحقيقة قتلهم لفريق آخر ، وفي نفس الوقت لا تذكر
من
الفريقين سوى
موسى وعيسى ، ومن ثم فأحدهم من الفريق الذين كذبوه والآخر من
الفريق
الذي
قتلوه!!!
4- "
الَّذِينَ
قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلاَّ
نُؤْمِنَ
لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ
قَدْ
جَاءَكُمْ
رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ
قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ
كُنْتُمْ صَادِقِينَ "
(آل عمران183). والمسيح هو
أكثر من
أتي بالمعجزات
وبالبينات بحسب ما ذكر القرآن وهو الذي أنزل الله عليه مائدة من
السماء بناء
علي طلب الحواريين
5-
" إِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ
إِلَيَّ
وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ
الَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ
فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ
ـــــــــــــــــ
(2) فقد أورد الحافظ ابن
كثير في كتابه البداية والنهاية ج2: ص53 و54 " بيان قتل يحيي بن زكريا عليه السلام.
وذكروا في قتله أسبابًا أشهرها أن بعض ملوك ذلك الزمان بدمشق كان يريد أن يتزوج
ببعض محارمه أو من لا يحل له تزويجها فنهاه يحيي عليه السلام عن ذلك، فبقي في نفسها
منه، فلما كان بينها وبين الملك ما يحب منها استوهبت منه دمّ يحيي فوهبه لها فبعثت
إليه من قتله وجاء برأسه ودمه في طشت إلي عندها".
ــــــــــ
- 11
-
فِيمَا
كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ "
(سورة آل عمران 55)
6-
" وَإِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ
لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ
مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ
عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ
أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ . مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ
اعْبُدُواْ اللّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ
فِيهِمْ فَلَمَّا
تَوَفَّيْتَنِي
كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ
شَهِيدٌ "
(سورة المائدة
116و117).
وهذه الآية لا تتحدّث عن الوفاة قبل الرفع أيضًا!! ولكن للإخوة المسلمين تفسيرات
عديدة لقوله " مُتَوَفِّيكَ " و "
فَلَمَّا
تَوَفَّيْتَنِي "، وأيضًا في
زمن الموت المقصود في قوله " وَيَوْمَ
أَمُوتُ
".
وباختصار فنصّ
آية الشبه لا يُوضّح للمفسّر أي شيء يخصّ نهاية المسيح علي الأرض. ومن الصعب جدًا
أنْ نقول أنّه ينفي صلب المسيح لأنّه لو كان يقصد أن المسيح لم يُصلب حقيقة، وقد
ملأت عملية صلبه أكثر من ثلث العهد الجديد، كما ملأت آلاف الكتب التي كتبها آباء
الكنيسة في نهاية القرن الأوّل الميلادي وما بعد ذلك، لكان القرآن قد شرح عملية عدم
صلبه وإلقاء شبهه علي آخر بالتفصيل، كما فعل بعد ذلك بحوالي ألف سنة الذين زوروا
كتاب إنجيل برنابا الخرافي المزيّف!!!!
فقد كان
مبيتًا في نيّة من كتبوا ه9ذا الكتاب المزيّف أن يؤكدوا النظرية القائلة بعدم صلب
المسيح فألفوا قصة إلقاء شبهه علي يهوذا!!! وأقول أنّه لو كان في نيّة القرآن القول
بعدم صلب المسيح لكان قد فعل ما فعله من كتبوا هذا الكتاب المزيّف!!! ولكنه لم
يفعل، فماذا نفهم من ذلك؟؟؟!!!!
والعجيب، بل
والغريب، أنّه عند ترجمة قوله "
وَلَكِن شُبِّهَ
لَهُمْ " إلي الإنجليزية، كما جاء في ترجمة القرآن المعتمدة من مجمع
البحوث الإسلامية، لا يعطينا أي
ــــــــــ
- 12
-
معني واضح سوي
قوله: " SO
IT WAS MADE TO APPEAR TO THEM
"، أي ظهر لهم
هكذا، أو بدا لهم هكذا!! وهذا الكلام في حدّ ذاته لا ينفي وقوع الصلب علي المسيح
مطلقًا، وسنوضّح ذلك في الفصول التالية.
والخلاصة،
فنصّ الآية لا يقول أي شيء يُمكن أن ينفي حقيقة قصّة وحادثة صلب المسيح، بل علي
العكس جعلت المفسّرون يتخبّطون ويروون روايات تتنافي مع المنطق والعدل وتمتليء
بالخرافة!!!
2- روايات
الشبه في صلب المسيح
جمع المفسّرون
عشرات الروايات الخرافية التي نقلوها عن جهلاء أهل الكتاب ممن امتلأت أفكارهم
بالفكر الخيالي الذي كان عالقًا في فكر بعض العامّة والبسطاء خاصة الذين كانوا
يعيشون في المناطق النائية والمتطرفة والبوادي والصحاري لبعدهم عن المراكز الرئيسية
للكنيسة الأم، وذلك دون أنْ يُشيروا أبدًا إلي ثقتهم فيها واعتمادهم عليها، وقد ذكر
عن بعضهم ابن خلدون بقوله: " وقد جمع
المتقدمون في ذلك وأوعوا إلا أن كتبهم ومنقولاتهم
تشتمل على الغث
والسمين والمقبول والمردود. والسبب في ذلك
أن العرب لم يكونوا
أهل كتاب ولا
علم وإنما غلبت عليهم البداوة والأمية
. فإذا تشوقوا
إلى معرفة شيء
مما تتشوق إليه
النفوس البشرية في أسباب المكونات وبدء الخليقة وأسرار الوجود
فإنما
يسألون عنه أهل
الكتاب قبلهم وستفيدونه منهم وهم أهل التوراة من اليهود ومن تبع
دينهم من
النصارى . وأهل التوراة
الذين بين العرب يومئذ
! بادية مثلهم
ولا
يعرفون من ذلك
إلا ما تعرفه العامة من أهل الكتاب ومعظمهم من حمير الذين أخذوا
بدين
اليهودية. فلما أسلموا
بقوا على ما كان عندهم مما لا تعلق له بالأحكام الشرعية
التي يحتاطون
لها مثل أخبار بدء الخليقة وما يرجع إلى الحدثان والملاحم وأمثال
ذلك
. وهؤلاء مثل
كعب الأحبار ووهب بن منبه وعبد الله بن سلام وأمثالهم.
ــــــــــ
- 13
-
فامتلأت
التفاسير من
المنقولات عندهم في أمثال هذه الأغراض اخباراً موقوفة عليهم وليست
مما
يرجع إلى
الأحكام فيتحرى في الصحة التي يجب بها العمل . وتساهل
المفسرون في مثل
ذلك وملؤوا كتب
التفسير بهذه المنقولات . وأصلها كما
قلناه عن أهل التوراة الذين
يسكنون البادية
ولا تحقيق عندهم بمعرفة ما ينقلونه من ذلك إلا أنهم بعد صيتهم
وعظمت
أقدارهم لما
كانوا عليه من المقامات في الدين والملة فتلقيت بالقبول من
يومئذ
"
(
تاريخ ابن خلدون جـ 1 فـ 5 ، و قراءات في
الفلسفة د. علي النشار ص 26).
هؤلاء الناس
رووا العديد من الروايات الخرافية التي امتلأت بها الكتب وخاصة
كتب التفسير،
كما يقول ابن خلدون، وإنْ كان ناقلوها لم يعتمدوا عليها أو
يوحوا
بصحتها ولكنهم
نقلوها كما هي بل وكان لهم تفسيرات مختلفة عنها تماماً!! وكثيراً
من
هذه الروايات
الخرافية يقول بصلب أخر بدلاً من المسيح بصورة خرافية وثنية.
وهذا
ملخص لبعض
الروايات:
1- قال
القرطبي في كتابه " الجامع لأحكام
القرآن "
في
تفسيره لآية
سورة النساء 157، قوله تعالى:
" إِنَّا
قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ "
كُسرت " إنّ " لأنها
مبتدأه بعد القول وفتحها لغة. وقد تقدم في " آل عمران"
اشتقاق
لفظ
المسيح. "
رَسُولَ
اللّهِ "
يدل، وإن شئت علي معني أعني. " وَمَا
قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ "
رد
لقولهم. "
وَلَكِن
شُبِّهَ لَهُمْ " أي ألقي شبهه علي غيره كما تقدم في " آل عمران". وقيل:
لم
يكونوا يعرفون
شخصه وقتلوا الذي قتلوه وهم شاكّون فيه؛ كما قال تعالى:
" وَإِنَّ
الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ" والإخبار
قيل: إنّه عن جميعهم. وقيل: إنّه لم يختلف فيه إلا عوامهم؛ ومعني اختلافهم قول
بعضهم إنّه إله، وبعضهم هو ابن الله. قاله الحسن: وقيل اختلافهم أنّ عوامهم قالوا
قتلنا عيسى. وقال من عاين رفعه إلي السماء: ما
قتلناه.
وقيل:
ــــــــــ
- 14
-
اختلافهم أنّ
النسطورية من النصارى قالوا: صُلب عيسي من جهة ناسوته
لا من جهة
لاهوته. وقالت الملكانيّة: وقع الصلبُ والقتلُ علي المسيح بكمالِه
ناسوته
ولاهوته.
وقيل: اختلافهم هو أنّهم قالوا: إنْ كان هذا صاحبنا فأين عيسي؟!
وإنْ
كان هذا عيسي
فأين صاحبنا؟! وقيل: اختلافهم هو أنَّ اليهود قالوا: نحن قتلناه؛ لأنّ يهوذا رأس
اليهود هو الذي سعي في قتله. وقالت طائفة من النصارى: بل قتلناه نحن. وقالت طائفة
منهم: بل رفعه الله إلي السماء ونحن ننظر إليه."
مَا لَهُم
بِهِ مِنْ عِلْمٍ " من زائدة؛ وتم
الكلام ".
2- وروى
الطبري عدة روايات مختلفة بعضها عن بعض
ولا توجد أية
صلة بينها:
(1) " ثم إن
بني إسرائيل حصروا عيسي وتسعة عشر رجلاً من
الحواريين في
بيت، فقال عيسي لأصحابه: من يأخذ صورتي فيُقتل وله الجنة، فأخذها رجل منهم، وصُعد
بعيسي إلي السماء، فذلك قوله: " ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين " فلما خرج
الحواريون أبصروهم تسعة عشر، فأخبروهم أنّ عيسي قد صُعد به إلي
السماء،
فجعلوا يعدون
القوم فيجدونهم ينقصون رجلاً من العدة، ويرون صورة عيسي فيهم
فشكّوا
فيه، وعلي ذلك
قتلوا الرجل وهم يرون أنّه عيسى، وصلبوه"!!
(2) واختلف
أهل
التأويل في
صفة التشبيه الذي شُبّه لليهود في أمر عيسي، فقال بعضهم : لما
أحاطت
اليهود به
وبأصحابه، أحاطوا بهم، وهم لا يثبتون معرفة عيسى بعينه، وذلك
أنّهم
جميعًا
حُوّلوا في صورة عيسي، فأشكل علي الذين كانوا يريدون قتل عيسي، عيسي من
غيره
منهم، وخرج
إليهم بعض من كان في البيت مع عيسي، فقتلوه وهم يحسبونه
عيسي"!!
ــــــــــ
- 15
-
(3)
"
أتى عيسي ومعه
سبعة عشر من الحواريين في بيت وأحاطوا بهم. فلما دخلوا
صوّرهم الله
كلهم علي صورة عيسي. فقالوا لهم حيرتمونا. ليبرزن لنا عيسي أو
نقتلكم
جميعًا. فقال
عيسي لأصحابه من يشتري نفسه منكم بالجنة فقال رجل أنا، فخرج إليهم. فقال أنا عيسي
فأخذوه. فقتلوه وصلبوه ومن ثمّ شُبّه لهم. وظنوا أنّهم قتلوا عيسى.
ورفع
الله عيسي من
ذلك اليوم"!!(3).
(4)
"
أن بني
إسرائيل حصروا عيسي وتسعة عشر رجلاً من الحواريين في بيت،
فقال عيسي
لأصحابه: من يأخذ صورتي فيُقتل وله الجنة؟ فأخذها رجل منهم. وصُعد
بعيسي
إلي السماء،
فلمّا خرج الحواريون أبصروهم تسعة عشر، فأخبروهم أنّ عيسي عليه
السلام
قد صُعد به
إلي السماء، فجعلوا يعدون القوم فيجدونهم ينقصون رجلاً من العدة،
ويرون
صورة عيسي
فيهم، فشلوا فيه. وعلي ذلك قتلوا الرجل وهم يرون أنّه عيسي
وصلبوه"!!
(5) كان اسم
ملك بني إسرائيل الذي أرسل إلي عيسي ليقتله رجلاً منهم
يقال له داود.
فلما أجمعوا لذلك لم يفظع عبد من عباده للموت فظعه ولم يجزع جزعه!!! وإنّه ليقول
عمّا يزعمون: اللهم أن كنت صارفًاً هذه الكأس عن أحد من خلقك،
فأصرفها
عني وحتى أنّ
جلده من كرب ذلك يتصفد دمًا. فدخل المدخل الذي أجمعوا عليه فيه،
ليقتلوه هو
وأصحابه، وهم ثلاثة عشر بعيسي فلمّا أيقن أنّهم داخلون عليه… ألقى
شِبْه
علي أحدهم
فامسكوه وصلبوه"!!
ــــــــــــــــــــــ
(3) وروى الأمام جلال
الدين السيوطي نفس الرواية تقريباً في كتابه
" الدر المنثور في التفسير بالمأثور " فقال " فأتى عيسى ومعه سبعة
وعشرون
من الحواريين في بيت وأحاطوا بهم، فدخلوا عليهم وقد صورهم
الله على صورة عيسى، فقالوا: قد
سحرتمونا؟ لتبرزن لنا عيسى أو لنقتلكم جميعا، فقال عيسى لأصحابه: من يشتري منكم نفسه بالجنة؟ فقال رجل من القوم: أنا. فأخذوه فقتلوه وصلبوه،
فمن ثم شبه
لهم وظنوا أنهم قد قتلوا عيسى وصلبوه فظنت النصارى مثل
ذلك، ورفع الله عيسى من يومه ذلك"!!
ــــــــــ
- 16
-
(6) " أو يكون
الأمر في ذلك كان علي نحو ما روى
عبد الصمد بن
معقل، عن وهب بن منبه، أنّ القوم الذين كانوا مع عيسي في البيت
تفرّقوا
عنه قبل أنْ
يدخل عليه اليهود، وبقي عيسي، وألقي شبهه علي بعض أصحابه الذين
كانوا
معه في البيت
بعد ما تفرّق القوم غير عيسي وغير الذي ألقي عليه شبهه، ورُفع
عيسي،
فقتل الذي
تحوّل في صورة عيسي أصحابه، وظنّ أصحابه واليهود أنّ الذي قُتل وصُلب هو
عيسي
لمّا رأوا من
شبهه به وخفاء أمر عيسي عليهم؛ لأنّ رفعه وتحول المقتول في صورته
كان
يعد تفرق
أصحابه عنه، وقد كانوا سمعوا عيسي من الليل ينعي نفسه ويحزن لما قد ظن
أنّه
نازل به من
الموت، فحكوا ما كان عندهم حقًا، والأمر عند الله في الحقيقة بخلاف
ما
حكوا، فلم
يستحق الذين حكوا ذلك من حوارييه أن يكونوا كذبة، أو حكوا ما كان حقًا عندهم في
الظاهر وإنْ كان الأمر عند الله في الحقيقة بخلاف الذي حكوا " (
جامع البيان جـ 6
:12-14).
3- وذكر
البيضاوي أربعة روايات
تبدأ بإلقاء
شبه المسيح على غيره وتنتهي بصلبه:
(1) " روى أنّ
رهط من اليهود
سبّوه وأمّه
فدعي عليهم فمسخهم الله قردة وخنازير، فاجتمعت اليهود علي قتله.
فأخبره
الله تعالى
بأنّه يرفعه إلي السماء. فقال لأصحابه أيّكما يرضى أن يلقى شبهي
عليه
فيقتل ويصلب
ويدخل الجنة. فقام رجل منهم فألقى الله عليه شيه عيسى فقتل
وصلب"!!
(2) " وقيل
كان رجل ينافق عيسي فلمّا أرادوا قتله قال أنا أدلّكم عليه
فدخل بيت عيسي
فرفع عيسي وألقي شبهه علي المنافق فدخلوا عليه فقتلوه وهم يظنون
أنّه
عيسي"!!
ــــــــــ
- 17
-
(3) " وقيل
دخل طيطانوس اليهودي بيتاً كان هو فيه فلم يجده، وألقي الله
عليه شبهه
فلما خرج ظُنّ أنّه عيسي فأخذ وصُلب"!!
(4) "وقال
قوم صلب اللاهوت وصعد
الناسوت "
(
البيضاوي جـ 1 :
247).
4- وروى
الأمام النسفي نفس الرواية
الأولى
والثالثة اللاتي رواهن البيضاوي.
5- كما روى
ابن
كثير في الجزء
الأول من كتابه الكشاف نفس هذه الروايات وكذلك أيضا ابن مسعود
والخازن
والبغدادي وغيرهم نفس الروايات تقريباً ولا تختلف عنها سوى في تغيير
مكان
القبض على
المصلوب واسم المصلوب الذي دعته بيهوذا ونطيانوس اليهودي وسرجس
والحارس
الذي أقامه
اليهود لحراسة المسيح وأحد أصحاب المسيح الذي صلب راضياً ليدخل
الجنة
وأحد أصحاب
المسيح الذي صلب جزاء لخيانته.... الخ ، بل وقيل لم يصلب أحد ولكن
أرجف
بقتله فشاع
بين الناس !! بل وقال قوم، كما نقل البيضاوي " صلب الناسوت
وصعد
اللاهوت
"!!.
3ـ تعليق على
هذه الروايات:
هذه الروايات
الخرافية غير المنطقية تشترك في صفات كثيرة نلخصها فيما
يلي:
1- لم تأخذ
هذه الروايات لا عن القرآن ولا عن السنة الصحيحة ولا كتب
السير النبوية
ولا عن أي وثيقة معتمدة من أي دين !! إلى جانب أنه لا يوجد هناك
كتاب
صحيح يعتمد
عليه في هذا الأمر ليفسّر لنا تفسيرًا يُقتع جميع
المفسرين!!
ــــــــــ
- 18
-
2- لم